خاص سودان تمورو
اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعى مؤخرا باخبار انتشار الأوبئة وخاصة الكوليرا في امدرمان ؛ واللغط الكبير الذى دار حول الامر ؛ وهل هي كوليرا ام لا ؟. والشهادات المتباينة حول الموضوع.
ان هذا الامر يدل بلا شك على اضطراب المشهد في بلادنا ؛ والضبابية التي تحكم كل شي ؛ في ظل عدم اهتمام ولا مبالاة من الجهات الرسمية بتبيين الحقائق وجعل الناس تعرف بالضبط ماذا يحدث في البلد ؛ ولاشك ان هذا تقصير كبير وغير مقبول ؛ ومن المعروف انه في ظل غياب البيان اللازم ؛ وعدم الاهتمام بذلك فان الجو يكون مهيئا للاشاعات التي لاتقف عند حد ؛ مع التأكيد بان كل شي وارد ؛ وان الأطراف المتصارعة في بلادنا ليست بعيدة عن ما ينسب اليها من مخالفات وتجاوزات ؛ فالجميع سيئون غير جديرين بالاحترام والثقة فيهم.
ان ما تشهده بلادنا من احداث مؤسفة جعلت الكثيرين يتسرعون في الحكم على الوقائع دون تثبت والاستعجال دائما مضر ؛ وفى مثل هذه الحالات اشد ضررا ولابد من التأكد من اى معلومة قبل الإسراع في تداولها ؛ ولنعلم ان ما نكتبه ونتناقله مسؤولية .
وقد اشيع ان المرض الذى تشهده ام درمان هذه الأيام ليس كوريلا ؛ وقال البعض ان كثيرا ممن أعطوا علاج الكوليرا ماتوا مع ان هذا يفترض ان لا يحدث بشكل كبير وواسع ؛ مما فتح الباب للسؤال والاحتمال ؛ وقد قيل ان ما تعرض له الناس هو تسمم ناتج عن استخدام الجيش للأسلحة الكيمائية ؛ ويتزامن هذا الكلام مع الاتهام الامريكى للجيش السودانى باستخدام السلاح المحرم دوليا وفرض عقوبات على البلد ؛ وقد كتب احد الأطباء من أبناء مدينة الهلالية – التي تعرضت لحالات مشابهة راح ضحيتها عشرات المواطنين – انه متاكد تماما ان المرض الذى ينتشر الان في العاصمة ليس كوريلا ؛ قائلا ان ما يحدث الان هو نفس ما شهدته الهلالية أيام نكبتها وهى ترزح تحت حكم الدعم السريع ؛ وبحكم انه طبيب ويعرف في هذا الامر جيدا قال نحن نعرف الكوليرا وما يترتب عليها وكيفية التعامل معها والسيطرة عليها ؛ وقال كنا موقنين ان ما وقع في الهلالية ليس بكوريلا كما نحن الان موقنون ان ما تشهده بعض مناطق العاصمة ليست كوريلا ؛ وأضاف كنا نعتقد ان الجنجويد هم السبب لان الجيش لم يكن موجودا في الهلالية ؛ ولا نظن ان الجيش يمكن ان يفكر في تسميم اهل الهلالية اذ لا مصلحة له في ذلك ؛ وتقول شهادات اهل الهلالية ان الوباء يومها فتك بالمواطنين ولم يتاثر به افراد الدعم السريع كثيرا ؛ ويمضى الطبيب الى القول انه مازال يقول انها ليست كوليرا وقد اثبتت التحاليل و الدعم السريع غير بريئ قطعا .
ان ما وقع في الهلالية حدث ما يشبهه في النيل الابيض و امدرمان ؛ اما ربط هذه الاحداث باستخدام الاسلحة الكيماوية فليس بهذه البساطة ؛ ويحتاج الى اثبات ؛ وهل فعلا هذه الأسلحة تفعل مثل ذلك ؛ ويبقى الاحتمال واردا لكنه يحتاج لمزيد من الابحاث ؛ واذا ثبت فعلا ان الجيش يعيق هذه الأبحاث فهو متهم بارتكاب الجرمين ؛ جرم تسميم الناس وجرم عدم كشف الحقيقة ؛ بل ممارسة الخداع والكذب. واي انسان يشوش على هذه القضية يبقى مشاركا اصيلا فيها
ونقول ان الامر فعلا معقد ويحتاج إلى تدقيق وضبط قبل إطلاق الأحكام لكن الواضح الذي لا مراء فيه انه لاخير في الفريقين ؛ ولافرق بينهم ؛ فلا وازع أخلاقي وديني يمنعهم من فعل اى شي.
ومما يؤسف له ان التسمم الذي حدث في الهلالية لم يجد الاهتمام الكافي والجاد لاسباب كثيرة من اهمها ان الوضع في تلك الفترة كان صعبا ؛ وكان التدهور الصحي سريعا لا يمنح فرصة لمزيد من البحث ؛ اضافة الي صعوبة المواصلات وحصار المنطقة ..
وقد تحدث البعض يومها عن تسميم مصادر المياه وهو كلام غير منطقى لصعوبة الامر وتعدد تلك المصار وسهولة مراقبتها ؛ وتحدث البعض عن تسميم الدقيق بخلط القمح والطحين بالسماد ؛ وما يجعل هذا القول ضعيفا ان بعض الضحايا لم يتناولوا دقيقا حصلوا عليه تلك الأيام ؛ كما ان مصدره ليس واحدا ؛ إضافة الى ان بعض من أصيبوا كانوا يأكلون مما يدخرونه .
والامر المهم هنا القول ان الفحوصات المعملية اثبتت ان الحالات في الهلالية غير معدية غير معدية مما يقوى القول بانها ليست كوريلا ؛ وتم اعلان ذلك في مدينة ابي عشر وهذا الاعلان كان بمثابة استبعاد الاصابة بالكوليرا .
لقد تم نسيان إصابة اهل الهلالية بالتسمم تماما باعتبار ان هذه واحدة من جرائم الجنجويد التي لا تنتهي ؛ وليس ذلك بغريب عليهم فالمتهم واحد؛ ولكن لما ظهر اتهام للجيش باستعمال اسلحة كيمائية اشتدت ضرورة فتح ملف تسمم ابناء الهلالية ؛ وعلى الجهات الرسمية تولى مسؤولية البحث والتحقيق حتى تبرئ ساحتها من هذه الجريمة النكراء اما ان تهربت من ذلك او اعاقت هذا الامر فأنها ستصبح المتهم الاول وستنكشف الحقيقة عاجلا او اجلا .
