سودان تمورو:
في خضم الحرب السودانية المشتعلة، يطفو على السطح اسم الإعلامي إبراهيم بقال، لا بوصفه مقاتلاً في ميدان المعارك، بل رمزاً لصراع الدعاية والسياسة، بعدما كشف قائد فيلق البراء بن مالك، المصباح أبوزيد طلحة، أن بقال “لم يحمل سلاحاً منذ بداية التمرد ولم يطلق رصاصة واحدة”، وأن دوره اقتصر على الظهور أمام عدسة هاتف مكسور. هذا الاعتراف، وإن بدا تقليلاً من شأنه، إلا أنه يعكس مأزقاً أعمق داخل مليشيا الدعم السريع، التي تتآكل من الداخل وتخسر رموزها تباعاً.
منذ سقوط الخرطوم وولايات الوسط، بدت الطبيعة القبلية للدعم السريع عائقاً أمام بقائها، إذ لم تحتمل عناصرها القيادات المحسوبة على إثنيات خارج نسيجها الضيق، فكان الإقصاء أو التصفية أو الدفع نحو الهروب. ما جرى مع أبوعاقلة كيكل، زعيم قوات درع السودان، مثال على أن الانشقاق يمكن أن يتحول إلى ورقة رابحة في ميزان القوى، بعدما أثبت نجاحه في ترجيح كفة الجيش. وحين حاول ضباط آخرون الانسلاخ من معسكر المليشيا والالتحاق بالجيش، انتهى بهم الأمر في معتقلات نيالا، ما فضح هشاشة التنظيم وارتباكه.
غير أن السؤال الأهم يظل معلقاً: كيف يجب أن نتعامل مع أمثال إبراهيم بقال ومن لفّ لفه؟ لا شك أن من ناصروا الدعم السريع شركاء في جرائمه، وأن العدالة تستوجب محاسبتهم، لكن منطق الحرب لا ينحصر في حسابات القضاء، بل يتجاوزها إلى إستراتيجيات البقاء. فالجيش حين يفتح ذراعيه للمنشقين، فهو لا يغض الطرف عن الماضي بقدر ما يوظّف الحاضر لكسب المستقبل، إذ إن كل خروج من سفينة المليشيا المثقوبة يسرّع غرقها ويضاعف شروخها الداخلية.
هنا تتجلى المعادلة الصعبة بين العدالة والبراغماتية، بين حق الضحايا وضرورات الدولة. فالترحيب بالمنشقين ليس تبرئة لجرائمهم، بل استثمار في تفكيك المليشيا، على أن تأتي ساعة المحاسبة بعد استعادة الوطن لعافيته. تجربة كيكل خير برهان: لم يكن مجرد هارب من المليشيا، بل تحول إلى أداة إستراتيجية أربكت العدو وزادت من انقساماته.
إبراهيم بقال، الذي كان أسيراً لصورة هاتفية ومكرفون دعائي، يجد نفسه اليوم في مرآة الوطن، أمام اختبار وجودي: هل سيظل مجرد ظلّ باهت لدعاية منهارة، أم يتحول إلى صوت جديد يسهم في إعادة بناء السودان؟ الترحيب به ليس صك غفران، بل دعوة صريحة لمراجعة الذات، وإثبات صدق العودة بالفعل لا بالكلام.
إن الحرب في السودان ليست مجرد مواجهة بالسلاح، بل صراع في النفوس والعقول والولاءات. وكل من يقرر أن يخلع عباءة المليشيا ويعود إلى الحضن الوطني، عليه أن يدفع ثمن ماضيه بصدق التوبة وفاعلية المساهمة. فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الصور الدعائية، بل إلى رجال حقيقيين يبنون الطين بالحجر والقيم بالتضحية.
فهل يكون بقال واحداً منهم؟ أم أن مرآة الوطن ستظل تكشف ضعفه وتعيد إنتاج صورته القديمة؟ الأيام وحدها ستجيب، لكن المؤكد أن التاريخ لا يرحم المترددين ولا يغفر للمتخاذلين.
