سودان تمورو:
يُدرك المتابع الحصيف لتعقيدات المشهد الإقليمي، وتحديداً من زاويتنا كعرب نراقب التحولات الجيوسياسية عن كثب، أن السياسة الخارجية في جوهرها ليست سوى “فن إدراك الممكن وتحديد القيود”؛ حيث تبرز الحاجة الماسة دائماً للفصل الدقيق بين ما نطمح إليه شعورياً وما يمكننا تحقيقه فعلياً على أرض الواقع. وإذا ما أسقطنا هذه القاعدة الذهبية على السلوك السياسي الإيراني، سنجد أنفسنا أمام مفارقة تاريخية تتكرر فصولها، تستوجب من صانع القرار في طهران استدعاء دروس الماضي القريب لتجنب السقوط في فخ الشعارات غير القابلة للتطبيق، وتحديداً فيما يتعلق بمسألة المطالبة بـ “التعويضات” من الولايات المتحدة.
بالعودة إلى أرشيف التاريخ، وتحديداً إبان الحرب العراقية الإيرانية (حرب الثماني سنوات) التي تطلق عليها طهران “الحرب المفروضة الأولى”، كان الشرط المسبق والأهم للجمهورية الإسلامية لقبول وقف إطلاق النار هو التحديد الواضح للطرف البادئ بالعدوان وتحميله المسؤولية الكاملة. هذا التصلب في الموقف دفع إيران لرفض قرار مجلس الأمن رقم 598 لمدة تقارب العام، قبل أن ترضخ لضرورات الواقع وتقبل بالقرار دون أن يتحقق شرطها المسبق. فالقرار في بنده السادس اكتفى بالطلب من الأمين العام للأمم المتحدة، بالتشاور مع طهران وبغداد، إحالة مسألة مسؤولية بدء الحرب إلى هيئة محايدة، بينما ذهب البند السابع إلى الإقرار بالآثار المدمرة للحرب وضرورة إعادة الإعمار، مكلفاً الأمين العام بتقديم تقرير حول كيفية توفير المساعدات الدولية، دون الإشارة الصريحة إلى أي دولة بعينها كمسؤول عن الخراب.
تلك اللحظة التاريخية التي تجلت فيها واقعية القيادة الإيرانية آنذاك، استندت بالأساس إلى إدراك عميق لمعادلة المقدرات والمحدوديات، وهو ما برر قبول القرار الأممي تجنباً لمزيد من الاستنزاف. واليوم، ونحن نشهد فصول ما يمكن تسميته بـ “الحرب المفروضة الثالثة” بين طهران وواشنطن -وهي حرب اقتصادية وسياسية بامتياز- يبرز ملف “التعويضات” مجدداً كعقدة في منشار المفاوضات. ورغم أحقية طهران في التمسك بهذا المطلب من منظورها السيادي، إلا أن القراءة الموضوعية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الولايات المتحدة لن تقبل تحت أي ظرف بتضمين مصطلح “التعويضات” في أي اتفاق مستقبلي.
بالنسبة لواشنطن، فإن الإقرار بكلمة “تعويض” يعادل الاعتراف بهزيمة شاملة وتاريخية، وهي مستعدة للمضي قدماً في مواجهة مفتوحة إلى الأبد، وإلحاق خسائر فادحة بالاقتصاد العالمي، على أن تسجل على نفسها سابقة انكسار من هذا النوع. هنا، يتجلى الاختبار الحقيقي للبراغماتية الإيرانية؛ فإذا ما وافقت الإدارة الأمريكية على جبر الضرر بأي صيغة بديلة، سواء تحت مسمى “صناديق إعادة الإعمار” أو “صناديق الاستثمار المشترك” أو غيرها من المسميات الدبلوماسية الملطفة فإن ذلك سيمثل بلا شك انتصاراً استراتيجياً كبيراً لإيران، يضمن لها تحقيق أهدافها وتأمين مصالحها الوطنية بعيداً عن التصلب اللفظي.
إن الدرس الأهم الذي يجب أن تعيه الدبلوماسية في أي مكان، هو أن الكلمات والمصطلحات تحمل وزناً ثقيلاً في عالم السياسة الدولية، لكنها أبداً لن تعادل في قيمتها وزن “النتائج” الملموسة على الأرض. ففي نهاية المطاف، العبرة بما يُجنى من مكاسب تدعم مقدرات الدول، لا بما يُرفع من لافتات تُرضي الكبرياء السياسي وتُطيل أمد الصراعات.
