سودان تمورو:
لم تكن “حرب رمضان” الأخيرة مجرد أزمة عسكرية عابرة في الشرق الأوسط، بل مثلت، كما نراقبها ونحللها من زاويتنا، صدمة جيوسياسية عنيفة كشفت بوضوح عن التصدعات العميقة في السياسة الخارجية الأوروبية تجاه إسرائيل. لقد أسقطت هذه الحرب الكثير من الأقنعة، وأثبتت أن النظرة الأوروبية لتل أبيب لم تعد محصورة في الإطار التقليدي لـ “الحليف الاستراتيجي الاستثنائي للغرب”، بل دخلت مرحلة شديدة التعقيد تتسم بمفارقة عجيبة: تباعد سياسي وأخلاقي في العلن، يقابله تعميق متسارع للتعاون الأمني والعسكري في الخفاء.
لقد عرت هذه الحرب غياب الإجماع داخل أروقة الاتحاد الأوروبي. فبينما سارعت دول أوروبا الشرقية، مثل التشيك وإستونيا، إلى تبني رواية تل أبيب ووضع الحرب في خانة المواجهة الأمنية الأوسع للغرب ضد المحاور المناهضة له، وقفت دول أخرى مثل إسبانيا وأيرلندا في مربع الدفاع عن حقوق الإنسان والتعددية، معتبرة السياسات الإسرائيلية تهديداً صارخاً للنظام القانوني الدولي. هذا الانقسام الحاد يؤكد أن الموقف الأوروبي بات محكوماً بموازين القوى الداخلية، وتحديداً الثقل السياسي والاقتصادي لألمانيا الذي يمنع حتى اللحظة أي صدام أوروبي حقيقي مع إسرائيل، أكثر من كونه يستند إلى منظومة قيم مشتركة.
في الوقت ذاته، تعمق الإدراك داخل دوائر صنع القرار الأوروبية بأن السياسات الإسرائيلية المتهورة قد تجر الشرق الأوسط إلى فوضى شاملة. وخلافاً لبعض الصقور في واشنطن وتل أبيب، تنظر أوروبا بتوجس شديد لأي سيناريوهات تهدف إلى “تغيير الأنظمة” أو التسبب بانهيارات هيكلية في دول المنطقة، وتحديداً إيران. فالأوروبيون لم ينسوا بعد كوابيس العراق وليبيا وسوريا، ويدركون تماماً أن أي فراغ في السلطة سيترجم فوراً إلى موجات هجرة جماعية تضرب شواطئهم، واضطرابات حادة في أسواق الطاقة التي يعانون أصلاً من هشاشتها. لذلك، فإن رفضهم للمقاربات الهجومية ينبع من حسابات أمنية واقتصادية بحتة تتعلق بإدارة الأزمات، لا من اعتبارات أخلاقية.
على الصعيد الداخلي، لم يعد بوسع الحكومات الأوروبية تجاهل الغضب الشعبي العارم بعد السابع من أكتوبر وما تلاه من دمار. لقد ارتفعت التكلفة السياسية لدعم إسرائيل بشكل غير مسبوق، مما سيجبر العواصم الأوروبية على التخلي عن استعراض التماهي السياسي مع تل أبيب، واللجوء إلى خطاب أكثر انتقادية لتهدئة الشارع. لكن هذا “الطلاق السياسي” اللفظي لا يعني أبداً قطيعة استراتيجية؛ فبالتوازي مع هذا التوتر، تتجه أوروبا وإسرائيل نحو تعميق تعاونهما العسكري والاستخباراتي. فالحرب الأوكرانية كشفت عورات أوروبا العسكرية، لتجد في إسرائيل مصدراً حيوياً لتكنولوجيا الطائرات المسيرة، وأنظمة الدفاع، والخبرات العملياتية، خاصة مع تزايد الهواجس المشتركة حول أمن الطاقة والممرات المائية. في المحصلة، نحن أمام مرحلة براغماتية جديدة، ستزداد فيها الانتقادات الحقوقية والسياسية لإسرائيل، بينما تُبرم الصفقات الأمنية تحت الطاولة، في مسار سيتحدد مستقبله بناءً على هوية من يحكم في تل أبيب؛ فبقاء اليمين المتطرف سيعمق الفجوة، بينما قد تعيد المعارضة ترميم ما تصدع.
