الجمعة, مايو 1, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف تنذر "حرب رمضان" بخنق اقتصاد الهند وعزلها استراتيجياً؟.. بقلم لطفي الشناوي

كيف تنذر “حرب رمضان” بخنق اقتصاد الهند وعزلها استراتيجياً؟.. بقلم لطفي الشناوي

سودان تمورو

تتخذ نيودلهي موقفاً حذراً أقرب إلى مقاعد المتفرجين حيال الصراع الدائر مع طهران، محاولةً النأي بنفسها عن اتخاذ موقف رسمي يورطها في أتون “حرب رمضان”، ومكتفيةً بتركيز جهودها على ضمان سلامة عبور سفنها عبر مضيق هرمز الاستراتيجي. بيد أن القراءة المتأنية للمشهد، تتجاوز السطح الهادئ للحياد الدبلوماسي لتكشف عن قلق هندي عميق يتجاوز حدود الأمن الغذائي وتأمين مصادر الطاقة؛ فالهند تجد نفسها اليوم أمام استحقاقات جيوسياسية كبرى، ومصالح استراتيجية قد تعصف بها مآلات هذه الحرب التي ستعيد بلا شك رسم خريطة الشرق الأوسط بأكملها.

اللافت في هذا السياق هو التناقض المعرفي والسياسي الذي يعتري النخبة الهندية؛ إذ لا يزال العديد من الخبراء والدبلوماسيين ووسائل الإعلام في الهند أسرى لإرث الحرب الباردة، محتفظين بنزعة عميقة معادية للغرب، ومروجين لسردية “الروابط الحضارية” الوثيقة مع إيران. وفقاً لهذه السردية الرومانسية، تُصوَّر الولايات المتحدة وإسرائيل كقوى إمبريالية غربية، بينما تُرى القيادة الإيرانية كقلعة وحيدة للصمود، تقود مجتمعاً محاصراً في وجه عدوان خارجي جائر. لكن هذا التعاطف الأيديولوجي يصطدم بحائط الواقع الاقتصادي القاسي؛ فالهند تستورد نحو 85% من احتياجاتها من النفط الخام، أي ما يعادل نحو 5 ملايين برميل يومياً، وتعتمد بشكل شبه كلي على الشرق الأوسط. كما تؤمن قطر والإمارات 42% و11% على التوالي من واردات الغاز المسال الهندية. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فإغلاق مضيق هرمز يعني شللاً في واردات الأسمدة، حيث يمر عبره 63% من الأسمدة النيتروجينية و32% من فوسفات ثنائي الأمونيوم. هذا الاختناق سيولد موجات تضخمية تضرب العصب الاقتصادي الهندي، ناهيك عن الكارثة الإنسانية والاقتصادية التي قد تلحق بأكثر من 9 ملايين مغترب هندي في دول الخليج، مما يهدد بتجفيف منابع تحويلات مالية ضخمة تقدر بنحو 50 مليار دولار.

على الصعيد الأمني والجيوسياسي، تتجاوز التداعيات لغة الأرقام لتمس الأمن القومي الهندي في صميمه. فالسياسة الإيرانية، رغم التعاطف النخبوي الهندي، لم تكن يوماً مريحة لنيودلهي، خاصة فيما يتعلق بملف كشمير الذي طالما وضعته طهران في مرتبة موازية للقضية الفلسطينية، وصولاً إلى انتقادها الصريح لقرارات حكومة ناريندرا مودي عام 2019. علاوة على ذلك، يمثل النموذج الإيراني مصدر إلهام للعديد من الحركات الإسلامية؛ مما يعني أن أي تسوية أو نهاية للحرب تُظهر إيران بمظهر المنتصر وتُضعف الحضورين الأمريكي والإسرائيلي، ستشكل حافزاً معنوياً هائلاً لهذه الجماعات. وبالنسبة للهند، التي تواجه تحديات داخلية وخارجية معقدة في هذا السياق، فإن مجرد “الاعتقاد” بانتصار إيراني قد ينذر بأيام حالكة السواد على جبهتها الأمنية.

إن تهاوي البنية الأمنية التقليدية في الشرق الأوسط وتراجع النفوذ الأمريكي سيضع الهند في مأزق استراتيجي غير مسبوق. فإسرائيل، المنهكة في جبهات متعددة، لن تكون قادرة على مد يد العون العسكري للهند كما فعلت في حرب كارغيل عام 1999. وفي المقابل، فإن إضعاف إيران قد يفتح شهية تركيا – الحليف العسكري الوثيق لباكستان – لملء الفراغ. ومع إدراك دول الخليج لحدود المظلة الأمنية الأمريكية، فإنها قد تسرّع من وتيرة تقاربها مع إسلام آباد وبكين وموسكو. وهنا تبرز باكستان كالمستفيد الأكبر؛ فمساعيها الحالية للعب دور الوسيط تعزز من مكانتها، وقد تجد واشنطن نفسها مضطرة لمنح إسلام آباد هامشاً أكبر كضامن أمني في المنطقة، وهو ما سيقيد يدي الولايات المتحدة عن دعم نيودلهي في أي مواجهة هندية-باكستانية محتملة.

النتيجة الأكثر رعباً لنيودلهي تتبلور في حالة عدم اليقين الأمني التي قد تدفع نحو توسيع نطاق اتفاقيات الدفاع المشترك بين باكستان والسعودية، مع احتمالات مقلقة لانضمام دول إقليمية وازنة كمصر وتركيا. هذا المحور السني العريض، إذا ما تقاطع مع المصالح الصينية، سيقف كحجر عثرة صلب أمام طموحات الهند العسكرية والاستراتيجية. هكذا، وفي ظل سعيها للحفاظ على حياد زائف، تجد الهند نفسها تسير ببطء نحو فخ العزلة الإقليمية، محاطة بكتلة متماسكة من الخصوم الاستراتيجيين الذين تتقاطع مصالحهم على حساب دورها ومستقبلها في آسيا.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات