سودان تمورو
لسنوات طوال، ظلت همهمات التذمر الإماراتي حبيسة الغرف المغلقة حيال القيود التي تفرضها عباءة منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” على طموحاتها الإنتاجية. لم تكن التهديدات المتكررة بالانسحاب سوى قنابل دخان تسبق الانفجار الحقيقي، والذي جاء مدوياً في توقيت بالغ الحساسية؛ حيث اختارت أبوظبي إعلان طلاقها من المنظمة بضجيج متعمد وفي خضم أتون حرب مستعرة، لتطرح تساؤلات عميقة تتجاوز لغة الأرقام وبراميل النفط.
هذا الزلزال الذي أحدثته أبوظبي لا يمكن قراءته بحال من الأحوال كمجرد مناورة اقتصادية عابرة لضبط موازين العرض والطلب في سوق الطاقة العالمي. إن هذا الانسحاب هو في جوهره إعلان صريح عن استدارة استراتيجية كبرى في العقيدة السياسية والخارجية للإمارات. فمن خلال التحرر من قيود الحصص الإنتاجية الصارمة التي تفرضها “أوبك”، لا تسعى الدولة فقط إلى ضخ المزيد من العائدات النفطية في شرايين اقتصادها، بل تعمد إلى توجيه رسالة حازمة لحلفائها الغربيين وشركائها الإقليميين على حد سواء.
جوهر هذه الرسالة الإستراتيجية يكمن في فك الارتباط التاريخي مع التحالفات التقليدية في المنطقة. فاليوم، تعلن أبوظبي بوضوح تام أنها لم تعد مستعدة لتقديم التنازلات أو التضحية بمصالحها القومية الفردية على مذبح التنسيق المعتاد مع المملكة العربية السعودية. لقد اختارت الإمارات طريقاً جديداً، قوامه الاستقلالية التامة في القرار النفطي وتوظيفه كأداة سياسية لتحقيق غايات جيوسياسية أوسع.
إنها مقامرة بامتياز، تضع فيها أبوظبي ثقلها الجيوسياسي والاقتصادي في سلة تقاطع المصالح مع الولايات المتحدة وإسرائيل. خروج الإمارات من “أوبك” ليس مجرد انسحاب من تكتل اقتصادي، بل هو تدشين لمرحلة جديدة ومضطربة، تراهن فيها على إعادة تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط وفق تحالفاتها المستحدثة، غير آبهة بالتصدعات العميقة التي قد تضرب جدار التوازنات العربية التاريخية.
