السبت, مايو 2, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالمحكمة الدولية للأفارقة والضعفاء فقط!.. بقلم سلمى رشيد

المحكمة الدولية للأفارقة والضعفاء فقط!.. بقلم سلمى رشيد

سودان تمورو

في لحظة نادرة من الصراحة الفاضحة، كشف المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان عن مكالمة هاتفية مع السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، قال له فيها بوضوح صادم إن المحكمة الجنائية الدولية “مخصصة للأفارقة ولأشخاص مجرمين مثل بوتين”، وليست للديمقراطيات مثل إسرائيل والولايات المتحدة. هذا التصريح ليس مجرد زلة لسان من سياسي أمريكي متهور، بل هو اعتراف صريح بما ظل العالم يعرفه ويهمس به منذ عقود: أن منظومة العدالة الدولية ليست إلا أداة انتقائية في يد القوي لمعاقبة الضعيف، وأن القانون الدولي يُطبق بمعيارين فاضحين لا يخفيان على أحد.

ما يثير الدهشة حقاً ليس مضمون ما قاله غراهام، فهذا هو الواقع الذي عاشه العالم طوال عقود، بل الجرأة المفرطة في قوله علناً والاستهانة بذكاء الشعوب وذاكرتها. فالمحكمة الجنائية الدولية التي تأسست عام 2002 بوصفها ضمانة لمحاسبة مرتكبي أبشع الجرائم ضد الإنسانية، تحولت في الممارسة الفعلية إلى محكمة إفريقية بامتياز، حيث وُجهت معظم قضاياها ضد قادة ومسؤولين أفارقة، بينما ظلت جرائم الحرب الغربية في العراق وأفغانستان وليبيا، وجرائم الاحتلال الإسرائيلي المستمرة منذ عقود، بمنأى عن أي مساءلة حقيقية.

الأمر لا يتعلق بنظرية مؤامرة أو خطاب شعبوي، بل بحقائق موثقة ومعلنة. فالولايات المتحدة نفسها لم توقع على نظام روما المؤسس للمحكمة، بل أصدرت قوانين تُعرف بـ”قانون غزو لاهاي” تمنح الرئيس الأمريكي صلاحية استخدام القوة العسكرية لتحرير أي مواطن أمريكي تحتجزه المحكمة. وإسرائيل بدورها رفضت الاعتراف بولاية المحكمة، ومارست ضغوطاً هائلة على المدعي العام السابق لمنع فتح تحقيقات في جرائمها بالأراضي الفلسطينية المحتلة. في تأكيد آخر على أن القوي لا يخضع للقانون بل يتحكم فيه.

تصريح غراهام يكشف عن عقلية استعمارية متجذرة لا ترى في الشعوب غير الغربية سوى رعايا من الدرجة الثانية، تُطبق عليهم القوانين بينما تُستثنى منها ما يدعى ب”الديمقراطيات” الغربية. هذه العقلية التي تصنف العالم إلى “نحن” و”هم”، إلى من يستحقون الحماية القانونية ومن يستحقون العقاب، هي ذاتها التي أنتجت الاستعمار والعبودية والإبادات الجماعية عبر التاريخ. والأخطر من ذلك أن هذا التصنيف لا يستند إلى معايير موضوعية بل إلى معيار وحيد: القوة والهيمنة.

حين يُوصف بوتين بالمجرم بينما تُوصف إسرائيل بالديمقراطية، رغم أن كليهما متهم بارتكاب جرائم حرب موثقة، فإن الرسالة واضحة: الجريمة ليست في الفعل بل في هوية الفاعل. القصف الروسي لأوكرانيا جريمة حرب، أما القصف الإسرائيلي لغزة الذي أودى بحياة عشرات الآلاف من المدنيين فهو “دفاع عن النفس”. التهجير القسري في دارفور جريمة ضد الإنسانية، أما التهجير القسري للفلسطينيين فهو “ضرورة أمنية”. هذا الانفصام الأخلاقي الصارخ هو ما يُفرغ القانون الدولي من أي مصداقية ويحوله إلى مجرد أداة سياسية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه الصراحة الفاضحة من إدارة ترامب ومحيطه مقصودة أم أنها نتيجة عجرفة مفرطة؟ الأرجح أنها مزيج من الاثنين. فمن جهة، هناك رغبة أمريكية واضحة في تفكيك المنظومة الدولية القائمة التي باتت تُشكل قيداً ولو شكلياً على الهيمنة الأمريكية المطلقة. ومن جهة أخرى، هناك غطرسة قوة تعتقد أنها لم تعد بحاجة حتى للأقنعة، وأن العالم سيقبل بالأمر الواقع مهما كان فاضحاً. لكن هذه العجرفة قد تكون أكبر خطأ استراتيجي ترتكبه واشنطن، لأنها تكشف للعالم أجمع زيف الشعارات التي طالما رفعتها عن حقوق الإنسان والعدالة الدولية.

حين يسقط القناع، يصبح من الصعب إعادة ارتدائه. وحين تُقال الحقيقة الفاضحة بهذا الوضوح، يصبح من المستحيل إقناع الشعوب مجدداً بنزاهة النظام الدولي. ما فعله غراهام وما كشفه خان ليس مجرد فضيحة دبلوماسية عابرة، بل هو شهادة تاريخية على انهيار أخلاقي لمنظومة ادعت يوماً أنها تمثل القيم الإنسانية العليا.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات