السبت, مايو 2, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف تهيئ طهران رقعة الشطرنج لمواجهتها الكبرى؟.. بقلم يوسف سليم

كيف تهيئ طهران رقعة الشطرنج لمواجهتها الكبرى؟.. بقلم يوسف سليم

سودان تمورو

في قراءة متأنية لتصريحات النخبة السياسية والعسكرية في طهران مؤخراً، بدءاً من رئيس السلطة القضائية الذي أكد أن “إيران لم تترك يوماً طاولة المفاوضات، ولا ترحب بالحرب لكنها لا تخشاها”، مروراً برئيس البرلمان وقادة الحرس الثوري، يبرز أمام المراقب قاسم مشترك وعبارة تتكرر بصيغ مختلفة مفادها: “إذا تعرضت بلادنا لهجوم جديد، فسيكون ردنا مدمراً”.

هذه السردية الموحدة تثير في الوهلة الأولى تساؤلاً جوهرياً في الأوساط التحليلية: هل يعني هذا الطرح المنضبط أن طهران تعتبر الحرب قد وضعت أوزارها طالما لم يبادر الخصم بهجوم جديد؟ وإذا سلمنا بهذا الافتراض، فأين تذهب خطابات الثأر لدماء القيادات وآلاف الضحايا؟ وهل حققت طهران بالفعل أهدافها الاستراتيجية لدرجة تجعلها تكتفي بما أنجزت، تاركة للطرف الأميركي حق تحديد شارة البداية والنهاية لهذه المواجهة المفتوحة؟

لفك شيفرة هذا الموقف الإيراني، يمكننا تفكيك المشهد عبر ثلاث مقاربات أساسية. المقاربة الأولى تفترض أن صانع القرار الإيراني يرى أنه قد حقق بالفعل هدفين استراتيجيين يتمثلان في إحكام السيطرة التكتيكية على مضيق هرمز وتحييد فعالية القواعد الأميركية في المنطقة. وفقاً لهذه الرؤية، فإن ما تبقى هو مجرد تثبيت لهذه المكاسب في المسارين السياسي والأمني، وملف التعويضات، مما يجعل العودة إلى التصعيد العسكري خياراً مؤجلاً لا يُلجأ إليه إلا إذا تعثر مسار الحصاد الدبلوماسي والسياسي.

أما المقاربة الثانية، فتذهب إلى تفسير أكثر براغماتية، يرى أن المؤسسة العسكرية الإيرانية في مرحلة إعادة تموضع واستعادة للأنفاس وترميم للقدرات، وهي عملية تحتاج بطبيعة الحال إلى وقت. ومن هذا المنطلق، تبدو هذه التصريحات “المعتدلة” تكتيكاً مدروساً لشراء الوقت اللازم لاستكمال الاستعدادات للمرحلة المقبلة من المواجهة.

بيد أن المقاربة الثالثة، وهي الأكثر وجاهة وتطابقاً مع شواهد العام الماضي وتحديداً ما تلا حرب الاثني عشر يوماً، تشير إلى أن طهران تدير “لعبة اللوم” بذكاء شديد. فالقيادة الإيرانية تنسج خطابها المعتدل وتدفع بدبلوماسية مكوكية نشطة، لتهيئة مسرح الأحداث لسيناريو أوسع. فإذا ما اضطرت طهران في المرحلة القادمة إلى جر المنطقة لحرب شاملة، أو الإستمرار في إغلاق مضيق هرمز وخنق الشريان الاقتصادي العالمي، فإنها تضمن ألا تُشير أصابع الاتهام الدولية إليها كبادئ بالعدوان. هذا التكتيك الاستباقي المدروس يهدف إلى جعل الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي يحملون واشنطن، وتحديداً الإدارة الأميركية، المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات كارثية قد تضرب الاقتصاد العالمي.

هذه الدبلوماسية الإيرانية النشطة في الأيام الأخيرة ليست إذن مجرد بحث عن مخرج، بل هي عملية تهيئة نفسية ومعرفية ممنهجة للعقول في العواصم العالمية، استعداداً لقرارات كبرى قد تضع العالم بأسره تحت ضغط اقتصادي وجيوسياسي غير مسبوق، مع احتفاظ طهران بصورة “الطرف المعتدى عليه” الذي استنفد كل سبل التهدئة.

الخلاصة هنا، ورغم أن المشهد قد يحتمل مزيجاً من المقاربات الثلاث، إلا أن الاستراتيجية الإيرانية تميل بوضوح نحو التحضير العميق لما هو آتٍ تحت مظلة الدبلوماسية. إن هذه التصريحات الهادئة لا تعني بحال من الأحوال إغلاق ملف الحرب في العقل الاستراتيجي الإيراني، فافتراض أن طهران تقف فقط في مربع الانتظار السلبي وترقب تراجع واشنطن، هو افتراض يتجافى مع ديناميكيات الداخل الإيراني والواقع الإقليمي المعقد الذي لا يزال مفتوحاً على كافة الاحتمالات.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات