سودان تمورو
تتصاعد في هذه الأيام وتيرة الأحاديث والتكهنات حول اتفاق مؤقت ومبدئي بين إيران والولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى، وما تبع ذلك من موجة تفاؤل ملحوظة في الأوساط السياسية بالشرق الأوسط. وفي سياق هذا المشهد، خرج دونالد ترامب في تصريح جديد ليعلن عزمه رفع الحصار البحري عن إيران، مقترناً ذلك بسلسلة من المطالب الخاصة به. وبغض النظر عن المحتوى المتناقض والمعقد لرسائل الرئيس الأميركي، يتحتم علينا كشف الدوافع والأهداف الحقيقية التي تختبئ وراء هذا الضجيج.
عقب هذا التصريح، توجه ترامب مباشرة إلى “غرفة العمليات” في البيت الأبيض. ورغم انتهاء الاجتماع، لا يزال القرار الفعلي طي الكتمان؛ ففي حين أشارت بعض وسائل الإعلام الأميركية إلى أن ترامب لم يتخذ قراراً نهائياً بعد، فإن الترجيحات تميل إلى أنه قد حسم أمره بالفعل، غير أن طبيعة هذا القرار وتفاصيله لا تزال غامضة.
بيد أن رسالة ترامب الأخيرة، والتي سبقت عطلة نهاية الأسبوع، نجحت في ضخ جرعة من التفاؤل في شرايين الأسواق العالمية، دافعةً أسعار خام برنت لتستقر عند مستوى 84 دولاراً للبرميل.
ورغم أن تصريحات ترامب تبدو في ظاهرها مؤشراً على اقتراب الطرفين من إبرام تسوية، إلا أن الجانب الإيراني لا يزال يصر على أن بنود هذا الاتفاق المؤقت لم تتبلور بصيغتها النهائية بعد.
وإذا ما نظرنا إلى تصريحات ترامب المستجدة بعين الشك والريبة، مستندين في ذلك إلى تجارب سابقة، فليس من المستبعد أن يكون هذا الضجيج مجرد غطاء لخدعة جديدة. فمنذ فترة، ومع تشكل هذه الأجواء الإيجابية، تراجعت أسعار النفط إلى مستويات تجعل من اندلاع أي صراع جديد أمراً يمكن استيعابه سعرياً، بحيث يرتفع النفط بحد أقصى إلى سقفه السابق دون إحداث أزمة عالمية طاحنة.
ولذلك، ليس من المستبعد إطلاقاً أن يكون أحد الأهداف الخفية لإشاعة هذا المناخ المتفائل هو خفض أسعار النفط إلى مستوى “يسمح” بشن عمل عسكري جديد. فلو افترضنا، على سبيل المثال، أن الصراع اندلع وسعر برميل النفط يقارب 110 دولارات، لكانت الأسعار ستشهد قفزات جنونية تتجاوز بكثير أعلى مستوياتها التاريخية وتخلق أزمة مستعصية.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال فرضية أن الدائرة المقربة من ترامب قد استغلت هذه التصريحات “المبشرة” عشية عطلة نهاية الأسبوع لجني أرباح طائلة من خلال المضاربات السريعة في الأسواق المالية.
ورغم هذه القراءة التحليلية، أرجو أن يتحول التفاؤل الحالي إلى واقع ملموس، وأن نشهد اتفاقاً يصب في المصلحة العامة لتجنيب المنطقة ويلات صراع جديد.
بشكل عام، وكما أشرت في كتابات سابقة، فإن التوصل إلى اتفاق أولي ومؤقت يبقى أمراً محتملاً، لكنه لن يكون وليد قناعة راسخة بحل الخلاف، بل هو مجرد نتاج لترتيب الأولويات وإدارة التوترات بين الطرفين، ومن المستبعد جداً أن يتطور إلى اتفاق شامل. وعليه، يمكن القول إن هذه الحرب لن تضع أوزارها في المدى المنظور، ولا تزال بعيدة كل البعد عن إرساء توازن جديد. وحتى وإن تخللتها هدن أو اتفاقيات عابرة في منتصف الطريق، فلا تلوح في الأفق أية بوادر لـ “نهاية حاسمة”. فالقصة، على ما يبدو، لا تزال مستمرة.
