الجمعة, مايو 1, 2026
الرئيسيةثقافةملفاتالنظرية الإسلامية للعلاقات الدولية (5)

النظرية الإسلامية للعلاقات الدولية (5)

سودان تمورو:

مبدأ عدم الإكراه في العقيدة (حرية الاعتقاد)

بناءً على تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، لا يجوز للمسلمين فرض عقيدتهم على أتباع الديانات والمذاهب الأخرى بالقهر والإجبار.
وقد نبه الله تعالى المسلمين إلى هذا المبدأ في سورة البقرة بقوله: ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))البقرة: 256

وفي موضعٍ آخر، يخاطب الله تعالى النبي الكريم بقوله: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۖ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)) يونس: 99

كما أُمر النبي (ص) بأن يُبلّغ الحق الإلهي، سواء آمن الناس أم لم يؤمنوا: ((وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ))الكهف: 29

يتّضح من هذه الآيات أن الإيمان بالله لا يُفرض على أحد، بل المهم أن تُبيّن الحقائق الإلهية للناس ليختاروا الإيمان بحرّية وبإرادتهم الحرة.
إن الالتزام بمبدأ عدم الإكراه في العقيدة من شأنه أن يُقلّل من مستوى النزاعات في العلاقات الدولية، بخلاف ما يحدث في عالم اليوم، حيث لا تتردد بعض الديانات في استخدام الإكراه في مناطق مختلفة من العالم.

مبدأ نفي السبيل

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ((وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)) النساء: 141

ويعني هذا المبدأ أن الله لا يُقرّ أي شكلٍ من أشكال تسلط الكفار على المؤمنين، وعلى هذا الأساس يُكلَّف المسلمون بالسعي لحفظ استقلالهم، ومنع كل مظاهر التبعية.

ويحمل هذا الأصل وجهين اثنين:

  • الوجه السلبي: رفض هيمنة الأجانب على مقدرات الأمة الإسلامية ومصيرها.
  • الوجه الإيجابي: التأكيد على الواجب الديني للأمة الإسلامية في الحفاظ على استقلالها وإزالة عوامل التبعية والارتهان للغير.

انطلاقًا من هذا المبدأ، يجب منع أي شكل من أشكال الهيمنة الأجنبية على المجتمعات الإسلامية في شتى المجالات:

  • في المجال السياسي: رفض الخضوع للهيمنة، مقاومة الظلم والاستبداد والاستعمار، رفض تدخل الأجانب في الشؤون الداخلية للدولة الإسلامية، ومنع الكفار من التغلغل في مراكز القرار.
  • في المجال العسكري: الحيلولة دون السيطرة الأجنبية على القرارات والمعدات العسكرية.
  • في العلاقات الخارجية: الحفاظ على الاستقلال الاقتصادي، ومقاومة الغزو الثقافي.

إضافة إلى الواجب الشرعي للأمة في حفظ استقلالها ورفض الهيمنة، فإن الإسلام يُحمّلها مسؤولية مناهضة الظلم حتى إذا وقع على غير المسلمين.

يقول الرسول الأعظم (ص): ((من سمع رجلاً ينادي: يا للمسلمين، فلم يُجبه، فليس بمسلم))

ويقول سيدنا علي (كرم الله وجهه): ((كونوا للظالم خصمًا، وللمظلوم عونًا))

أصل الالتزام بالعهود والمواثيق

يُعَدّ الوفاء بالعهود والمواثيق من التعاليم الأساسية في الإسلام، وقد تم التأكيد عليه في العديد من آيات القرآن الكريم. تشير بعض الآيات إلى وجوب الالتزام بالعهود بشكل مطلق، بينما تُظهِر آيات أخرى أن الالتزام بالعهود هو تكليف ومسؤولية. كما أن بعض الآيات تؤكد على وجوب الوفاء بالعهود، وتُحذّر من العواقب السلبية لنقضها. ومن بين هذه الآيات:

  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ المائدة: 1
  • ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ التوبة: 4.
  • ﴿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ آل عمران: 76.
  • ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ المؤمنون: 8.
  • ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾  الإسراء: 34.

وفي السيرة العملية للسلف الصالح ، يُعتبر هذا الأصل جزءًا من الإطار العام لسلوك الدولة الإسلامية في تعاملها مع غير المسلمين. وتُظهر سيرة النبي (ص) هذا المبدأ بوضوح، ومن أبرز مظاهره التزامه بشروط صلح الحديبية، حيث أعاد النبي (ص) من هاجر من المسلمين الجدد إلى المدينة فارّين من أذى قريش، رغم استيائهم، التزامًا ببنود الصلح.

ومن خلال مجموع الآيات والأحاديث التي تؤكد وجوب الوفاء بالعهود، يمكن استخلاص النقاط التالية:

  • استمرارية المعاهدات واعتبارها سارية حتى نهاية مدتها.
  • عدم جواز الخداع والمكر لنقض العهد.
  • لا يجوز بأي حال من الأحوال نقض العقد الموقع إلا في حال نقض الطرف الآخر له.

ومن خلال هذا المبدأ الأخلاقي في الإسلام، يمكن استنتاج أن من أبرز أسباب نشوء علاقات ودية وسلمية بين الدول هو وجود المعاهدات والمواثيق التي تُبرم برضى الطرفين أو الأطراف المعنية. ويُعَدّ التزام الدول بتعهداتها أساس الثقة المتبادلة، وهذه الثقة تُشكّل حجر الأساس في تماسك المجتمع الدولي، وتجعل الدول والشعوب مترابطة كحلقات سلسلة واحدة.

أصل التعايش السلمي

نظرًا لرسالته العالمية في دعوة جميع البشر إلى السعادة والكمال، فإن الإسلام يسعى دائمًا إلى إقامة علاقات قائمة على التعايش السلمي، ويجعل هذا الأصل هو الأساس في علاقاته الخارجية مع المجتمعات غير الإسلامية.

ويقصد بالتعايش السلمي احترام مبدأ المساواة في السيادة، واحترام السلامة الإقليمية للدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وكذلك حل القضايا الدولية من خلال الحوار والتفاوض

ومن منظور الإسلام، فإن السلام والتعايش السلمي بين البشر على اختلاف عقائدهم وأديانهم يُعتبر قيمة وهدفًا. فالغرض من السلام ليس المنفعة المؤقتة أو المصلحة السياسية، بل إن السلام ذاته مصلحة، لأنه أكثر انسجامًا مع الفطرة الإنسانية، ومن خلاله تُتاح فرص النمو والتكامل الإنساني، وإمكانية التفاهم من أجل الوصول إلى اتفاقات، وفي نهاية المطاف تحقيق وحدة العقيدة البشرية والتوجّه نحو الحق.

وفي سياق اهتمام الإسلام بالتعايش السلمي بين الناس، يُلاحظ أن كلمة “صلح” في اللغة تعني المسالمة، والمصالحة، وإزالة الكراهية بين الناس، كما أن كلمتي “سِلم” و”سلام” تدلان لغويًا على الأمان والطمأنينة

وفي هذا الإطار، فإن اختيار اسم “الإسلام” لدين النبي محمد (ص) يُعد أوضح شاهد على أهمية السلام في النظام السياسي الإسلامي، وتُعدّ السلمية مبدأً أساسيًا في العلاقات الدولية للإسلام. فعلى سبيل المثال، ورد في سورة الحجرات:
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾(الحجرات: 9).

وفي الأحاديث، تم تخصيص أجر عظيم للمصلحين بين الناس. منها:
“أجر المصلح بين الناس كأجر المجاهد في سبيل الله”

وحيث إن الحفاظ على السلام ومنع الحروب يُعدّ من أكبر الهواجس في ميدان العلاقات الدولية، فإن الإسلام يولي لهذا الأمر اهتمامًا بالغًا.
ومع ذلك، وعلى الرغم من تأكيد القرآن الكريم والروايات على أهمية السلام، فقد ادعى بعض المستشرقين بأن الإسلام دين الحرب والسيف، واعتبروا أن وسائل السلام والتفاوض والدبلوماسية هي ظواهر غريبة على الإسلام.
وفي هذا السياق، كتب مونتجمري وات: دين الإسلام الذي فُرض على الناس بالقوة والسيف، لأن أساسه مبني على القهر والإجبار .  وكتب مونتسكيو: دين الإسلام الذي فُرض على الناس بالقوة والسيف، لأن بنيته قائمة على الجبر والإكراه)

وردًا على هذا الرأي، ينبغي القول إن الأحكام المتسرعة للغرب حول الإسلام هو أنّ عدم الرجوع إلى المصادر الإسلامية الموثوقة، وتصرفات بعض الحكام في الدول الإسلامية، من أكثر الأسباب التي أدّت إلى هذا الفهم الخاطئ، فجعلوا الحرب أساسًا في الإسلام.
وعليه، ومن أجل توضيح أهمية السلام في الإسلام كدينٍ للرحمة، وللتأكيد على مبدأ التعايش السلمي، سيتم لاحقًا تناول مواضع مشروعية الحرب في الإسلام، مع التركيز على مبدأ الحرب المتكافئة والاهتمام بالمبادئ الأخلاقية أثناء القتال.

مقتبس من بحث بعنوان دراسة المبادئ الأخلاقية للإسلام في مجال العلاقات الدولية للدكتور السيد مهدي الطاهري

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات