سودان تمورو:
المبادئ الأخلاقية في العلاقات الدولية في نظر الإسلام
لطالما كان الدين عبر التاريخ عاملاً مؤثرًا في حياة الإنسان، ولا يزال حتى اليوم يحتل مكانة بارزة في المعادلات الدولية. وبالمقارنة مع الأديان الأخرى، يتميّز الإسلام بكونه دينًا شاملًا، عالميًا وأبديًا، لا يقتصر في أحكامه وتعاليمه على شعب أو عرق أو زمن أو مكان معين، بل يخاطب البشرية جمعاء بمختلف أعراقها ولغاتها وثقافاتها وعقائدها.
وفي المجال الدولي، يتّبع الإسلام مجموعة من المبادئ الأخلاقية، أبرزها:
اتحاد المجتمعات البشرية على أساس الفطرة النقية
لأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ولا يمكنه تحقيق سعادته بمعزل عن الآخرين، فإن عليه أن يتفاعل ويتفاهم مع بني جنسه.
ورغم اختلاف البشر في العِرق، واللغة، والمذهب، والثقافة، والعادات… فإن فطرة التوحيد تشكل الأساس المشترك لوحدتهم، وهي فطرة لا تتأثر بعوامل التفرقة. وإذا تفاعل البشر فيما بينهم استنادًا إلى هذه الفطرة النقية، يمكنهم أن يعيشوا في سلام ووئام، بل ويمكن إقامة علاقات سليمة مع غير المسلمين على أساس القيم الإنسانية المشتركة.
مبدأ المساواة بين الأمم
يسعى الإسلام إلى تحقيق وحدة الفكر والرؤية بين جميع البشر، وينبذ كل عناصر التفرقة. ويؤكد الإسلام على أن جميع البشر متساوون، ولا تفوّق لأحد على أحد.
وعليه، فإن أهم معيار للمساواة يتمثل في الكرامة الإنسانية ورفض التسلط والتمييز في الساحة الدولية، وكل ما يخالف هذين المبدأين يعتبر مرفوضًا ومُدانًا.
الكرامة الإنسانية
من منطلق أن جميع البشر مخلوقون من قبل الله وهم عباده، فإن كل إنسان، مهما كانت معتقداته، يتمتع بالكرامة والحرمة.
وبذلك، فإن غير المسلمين أيضًا يحظون بالاحترام ما داموا شركاء في الإنسانية، وإن اختلفوا في العقيدة أو الدين.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله: ((مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)) المائدة: 32
التحرر من التمييز القومي والعرقي
يُعدّ السعي إلى تحرير الشعوب من الهيمنة، بغضّ النظر عن أعراقها، من أبرز الجوانب المؤثرة في المدرسة الإسلامية للعلاقات الدولية.
وهذا التحرر يشمل مقاومة الظلم وعدم المساواة في إطار النظام الدولي السائد، وتحقيق الاستقلال وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها.
ومن أبرز مصاديق هذا التحرر الذي تسعى النظرية الإسلامية للعلاقات الدولية إلى تجسيده، التحرر من التمييز القومي والعرقي.
وعلى الرغم من أن قضية التمييز العرقي والقومي قد طُرحت لسنوات طويلة من قبل الدول الغربية والمؤسسات المرتبطة بها، إلا أنها غالبًا ما بقيت على مستوى الشعارات دون تطبيق عملي.
بينما ترى النظرية الإسلامية أن احترام الإنسان لكونه إنسانًا، بغضّ النظر عن عرقه أو قوميته، وتشكيل رؤية أخلاقية عالمية تكون أساسًا للوحدة والتضامن الدولي، تُعدّ من المبادئ الجوهرية في العلاقات الدولية، وهي لا تقتصر على لون أو عرق معين.
وفي هذا السياق، يدين القرآن الكريم كل فكرٍ عنصري، ويؤكد أن جميع البشر أبناء أبٍ وأمٍ واحدين، ولا مكان فيه لأي تمييز عرقي أو قومي أو ديني. قال الله تعالى:((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))الحجرات: 13
مقتبس من بحث بعنوان دراسة المبادئ الأخلاقية للإسلام في مجال العلاقات الدولية للدكتور السيد مهدي الطاهري
