سودان تمورو:
لا تزال نيران الحرب المشتعلة في السودان تلتهم ما تبقَّى من مقوِّمات الدولة والشعب، في مشهد مأساوي يُجسِّد فشل المؤسسة العسكرية في تحمُّل مسؤوليتها الوطنية. فبعد أن تجاوزت المعارك عتبة الخرطوم والجزيرة، وتراجعت مبررات الاستمرار في القتال كما قال رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل بات لزامًا على الطرفين أن يلتفتا إلى نداء العقل قبل فوات الأوان. فالحرب لم تعد تحقق سوى مزيدٍ من الدمار، والفرصة التاريخية للسلام تُضيّع يوماً بعد يوم.
لقد تغيَّرت موازين القوى، وبعد أن كانت قوات الدعم السريع تتمتع باليد العليا، ها هي اليوم تواجه واقعًا جديدًا يفرض عليها القبول بتسوية سياسية. أما الجيش، الذي رفض التفاوض من موقع الضعف سابقًا، فلديه اليوم فرصة ذهبية لإنهاء هذه الحرب تحت مظلة المصلحة العليا للبلاد. فالعناد العسكري لن يُنتج سوى مزيدٍ من الخراب، والتمسُّك بالمواقف المتصلبة خيانة للشعب السوداني الذي يدفع الثمن الأكبر.
التاريخ يُعلِّمنا أن الحروب السودانية — مهما اختلفت أشكالها — تنتهي إلى طاولة المفاوضات، كما حدث في نيفاشا وأبوجا والدوحة وجوبا. فهل يُعقل أن تُستثنى هذه الحرب من القاعدة التي حفظت وحدة السودان مرارًا؟ قد يزعم البعض أن هذه الحرب مختلفة لأنها اندلعت في قلب العاصمة ومسَّت كل السودانيين، لكن هذا الزعم يقع في فخ التقسيم الجغرافي الزائف. فدماء أهل الخرطوم والجزيرة لا تختلف عن دماء أهل دارفور وكردفان، والأرض السودانية كلٌّ لا يتجزأ.
كل يوم تمرُّ فيه هذه الحرب يزيد الفاتورة البشرية والمادية، ويُقرِّب السودان من حافة الانهيار الكامل. فلماذا ننتظر حتى تُحص الأرواح بالآلاف، وتتحول المدن إلى ركام، بينما السلام ممكن اليوم؟ قوات الدعم السريع لم تعد في موقع يسمح لها بالمناورة، وعليها أن تدرك أن قبول أي تسوية — مهما بدت غير مثالية — هو الطريق الوحيد لوقف نزيف الدماء. وفي المقابل، فإن على الجيش — كحامٍ دستوري — أن يضحي بجزء من مكاسبه السياسية لإنقاذ ما تبقى من الوطن.
أما الشعب السوداني، فمطالبٌ اليوم بأن يتسامى عن روح الثأر، وأن يفتح قلبه لمصالحة وطنية تُؤسس لمرحلة جديدة. فالنصر الحقيقي ليس في سحق الخصم، بل في إنقاذ الأمة من براثن الفناء. لن يعود السودان قويًّا إلا بوحدته، ولن تتحقق الوحدة إلا بوقف إطلاق النار، وإطلاق حوار شامل ينتقل بالبلاد إلى حكم مدني ديمقراطي تطبق فيه العدالة على الجميع.
الوقت ليس في صالح السودان. فكل طلقة تُطلق، وكل بيت يُدمَّر، وكل نفس تزهق، هي خطوة أخرى نحو الهاوية. القيادات العسكرية مطالبة بأن تثبت أنها فوق حسابات القوة والضعف، وأن تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. أما المجتمع الدولي — وفي مقدمته الاتحاد الأفريقي — فله دور محوري في الضغط على الأطراف لإنهاء هذه المأساة إذا أراد .
السودان أمام مفترق طرق.. إما أن يكتب قادته نهاية هذه الحرب بحكمة وتضحية، أو يُدخلوا البلاد في نفقٍ مظلم لا يُعلم متى تخرج منه. والاختيار بينهما هو مسؤولية التاريخ التي ستُحاسِب عليها الأجيال القادمة. فليُدرك الجميع أن السلام اليوم أقل تكلفة بكثير من سلام الغد.
