سودان تمورو:
عندما يحذر عمار حسن المتحدث السابق باسم المقاومة الشعبية من انشغال الحركات المسلحة بالتجارة بدلا من واجب الساعة فإنه يضع يده على جرح نازف في جسد الدولة السودانية لكن هذا الجرح لا يقتصر على الحركات المسلحة بل يمتد ليشمل المؤسسة العسكرية بأكملها التي تحولت من حامية للوطن إلى منافس شرس في السوق الاقتصادية وفي السياسة فكيف تحول العسكر من حراس الحدود إلى أقطاب تجارة وما تأثير هذا الانزياح على مستقبل السودان ؟.
لا يختلف واقع العسكريين السودانيين اليوم عن نموذج الجنرال التاجر الذي طالما انتقده المفكرون فقد كشف رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك عن سيطرة المؤسسة العسكرية على 82% من اقتصاد البلاد وسيطرتهم على كافة القطاعات من الذهب إلى الفحم في احتكار يذكر بنموذج الرأسمالية العسكرية التي تلتهم القطاع الخاص وتفرغ الدولة من محتواها المدني بينما يفترض بالجيش أن يكون أداة لحماية السيادة أصبح رأس حربة في تفكيكها اقتصاديا فبدلا من تخصيص الموازنة العامة لتحديث العتاد العسكري أو تدريب الجنود تصرف في استثمارات تزيد من ثراء النخبة العسكرية على حساب الشعب ولو كان هذا التمدد الاقتصادي مقترنا بشروط تحمي السوق الحر وتضمن حقوق المدنيين لكان الأمر مبررا لكن الواقع يظهر عسكرة الاقتصاد بإرغام الشركات على التنافس مع الكيانات العسكرية أو إجبارها على الانسحاب من السوق.
لم يكتف العسكر بتحويل الثكنات إلى شركات بل امتد نفوذهم إلى الميدان السياسي حيث أصبح الانقلاب خيارا متكررا والدستور ورقة تلغى عند أول خلاف فكيف تبنى ديمقراطية بينما يحتفظ الجيش بحق حل المؤسسات المدنية لا يمكن للعسكر أن يكونوا لاعبا سياسيا محايدا فحين يتحكم الجيش في الاقتصاد والسياسة معا يصبح الدفاع عن الوطن ذريعة للبقاء في السلطة بينما الوطن نفسه ينهب تحت شعارات الأمن القومي وفي الدول الديمقراطية يحدد الدستور دور الجيش بوضوح ويمنع من الاقتراب من التجارة أو السياسة أما في السودان فالعسكر يكتبون الدستور ثم يعلقونه حين يشاءون .
إن خلاص السودان لن يأتي إلا بخطوات جذرية تبدأ بفصل الاقتصاد عن العسكر عبر تشكيل هيئة مستقلة لمراجعة استثمارات المؤسسة العسكرية وتحويلها إلى شركات تحت ولاية وزارة المالية خاضعة للضرائب والمنافسة كما يجب تقييد الدور السياسي عبر دستور يجرم انقلاب العسكر على المدنيين ويخضع الميزانية العسكرية لرقابة البرلمان بالإضافة إلى إصلاح المؤسسة العسكرية بدمج الميليشيات المسلحة في جيش واحد وتطهيرها من الفاسدين الذين يتاجرون بزيهم العسكري .
كلام عمار حسن صحيح لكنه لا يكفي فالمشكلة ليست في بعض المنسوبين الذين انشغلوا بالتجارة بل في نظام كامل حول الجيش إلى دولة موازية إن السودان لن ينهض إلا إذا عاد العسكر إلى ثكناتهم وحملوا السلاح فقط للدفاع عن الحدود لا للسيطرة على أرزاق الناس فالشعب الذي قاوم الاستعمار يستحق أكثر من أن يستعمره جنرالاته.
