سودان تمورو:
أولًا: مدخل تعريفي
تُعد المدرسة الإنجليزية، المعروفة أيضًا باسم “نظرية المجتمع الدولي” أو “الواقعية الإنجليزية”، واحدة من أبرز الاتجاهات النظرية في حقل العلاقات الدولية. تتبنّى هذه المدرسة رؤية تتجاوز المفهوم التقليدي للنظام الدولي كحالة من الفوضى والتنافس، نحو تصوّرٍ يعتبر العلاقات الدولية مجتمعًا دوليًا قائمًا على مجموعة من القيم، والمؤسسات، والقواعد، والمعايير المشتركة بين الدول. ويعكس هذا المنظور رغبة في التوفيق بين المنظورات الواقعية والمثالية، حيث تعترف المدرسة بوجود الفوضى، لكنها تؤمن بإمكانية التعاون ضمنها من خلال مؤسسات تحكم سلوك الدول وتُعزز الاستقرار.
ثانيًا: موقع المدرسة الإنجليزية ضمن خريطة نظريات العلاقات الدولية
تُقدِّم المدرسة الإنجليزية نفسها كاتجاه وسط بين الواقعية، التي تؤمن بحتمية الصراع والفوضى، والمثالية أو الليبرالية، التي تركز على إمكانات التعاون والتنظيم. وعلى هذا الأساس، تؤمن المدرسة بإمكانية نشوء نظام اجتماعي بين الدول رغم غياب سلطة عليا، وذلك بفضل وجود قواعد ومؤسسات مشتركة تُنظِّم سلوك الفاعلين الدوليين. ويُعتبر المجتمع الدولي – من هذا المنظور – إطارًا عقلانيًا يمكن من خلاله تحقيق الحد الأدنى من النظام.
ثالثًا: أبرز منظّري المدرسة
برزت مجموعة من المفكرين الذين أسهموا في تأسيس وتطوير هذا الاتجاه، من بينهم:
* **مارتن وايت**
* **هدلي بول**
* **هربرت باترفيلد**
* **جون فنسنت**
* ومن الجيل اللاحق: **روبرت جاكسون** و**باري بوزان**
هؤلاء المفكرون لم يشكّلوا مدرسة موحدة بالمعنى الصارم، لكنهم اجتمعوا حول عدد من المبادئ والمفاهيم الجوهرية التي تميّز هذا الاتجاه.
رابعًا: المضمون المفاهيمي للمدرسة
يُعرّف روبرت جاكسون المدرسة الإنجليزية بأنها لا تقتصر على تحليل علاقات القوة أو المصالح المادية فقط، بل تمتد إلى دراسة مفاهيم مثل الاعتراف المتبادل، والعضوية، والمساواة، والشرعية، والحقوق، والعدالة، والتقاليد، والاتفاقات، وحتى الجرائم والتعويضات. وهذا ما يجعل المدرسة الإنجليزية نهجًا غنيًا بالمضامين المعيارية والفكرية.
خامسًا: الأركان الثلاثة للمدرسة
تقوم المدرسة الإنجليزية على ثلاث ركائز نظرية رئيسية:
- **النظام الدولي**: يمثّل الحالة الفوضوية التي تحكم العلاقات الدولية، حيث تسود مفاهيم القوة والمصلحة، ويقترب من منظور الواقعية.
- **المجتمع الدولي**: هو الركن الأساسي في المدرسة، ويمثّل مجموعة من الدول التي ترتبط فيما بينها بقواعد ومؤسسات وأهداف مشتركة.
- **المجتمع العالمي**: يفترض وجود مجتمع إنساني شامل يتجاوز حدود الدولة القومية، ويقترب من الرؤية الكانطية الطوباوية.
وقد استلهمت المدرسة الإنجليزية هذه الأركان الثلاثة من تقاليد فلسفية وفكرية عريقة:
* التقليد الهوبزي (الواقعي)
* التقليد الغروسيوسي (العقلاني/القانوني)
* التقليد الكانطي (الثوري/الكوني)
ويعتقد هدلي بول أن هذه التقاليد تتعايش كمقاربات تفسيرية مختلفة لفهم السياسة الدولية، وليست متناقضة بالضرورة.
سادسًا: الخلفية التاريخية والنقدية
ظهرت المدرسة الإنجليزية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، في ظل هيمنة المقاربات الوضعية والواقعية، وطرحت بديلًا يستند إلى التاريخ والفكر السياسي والقانون الدولي. لكنها تعرضت لاحقًا لانتقادات شديدة، خاصة في السبعينيات، حيث وُصفت بأنها غير علمية، ومفتقدة للوحدة المنهجية، ولا تهتم بالأبعاد الاقتصادية. بل أن بعض المفكرين، مثل شيلا غريدر، أنكروا وجود المدرسة بوصفها كيانًا نظريًا متماسكًا.
إلا أن العقود التالية، خصوصًا الثمانينيات والتسعينيات، شهدت إحياءً جديدًا لهذا الاتجاه، بفعل تراجع الادعاءات الوضعية، وصعود التيارات النقدية، ثم بروز البنائية باعتبارها اتجاها وسيطًا مشابهًا للمدرسة الإنجليزية في بعض الأبعاد. وقد أتاح هذا السياق إعادة النظر في المدرسة كاتجاه كلاسيكي يستحق التجديد.
سابعًا: الطابع المعرفي والمنهجي
يتميّز الخطاب النظري في المدرسة الإنجليزية بتركيزه على البعد التاريخي، والتحليل القانوني، والمقاربة الفلسفية للسياسة الدولية. فهي لا تستخدم النماذج الرياضية أو التجريبية بشكل واسع، بل تميل إلى المقاربة التأملية القائمة على فهم الأبعاد الأخلاقية والمؤسسية للعلاقات الدولية. وهذا ما يجعلها أقرب إلى التقاليد الفكرية الأوروبية القديمة في مقابل النزعة الوضعية الأميركية السائدة.
ثامنًا: نطاق الاهتمام
تركّز المدرسة الإنجليزية على خمسة محاور رئيسية في تحليل العلاقات الدولية:
- **الدولة كمكوّن مركزي**
- **القواعد والمؤسسات الدولية**
- **المجتمع الدولي كمفهوم مركزي**
- **البعد الأخلاقي والمعياري للعلاقات الدولية**
- **دراسة التاريخ والأفكار السياسية بوصفها مصادر لفهم الظواهر الدولية**
أركان المدرسة الإنجليزية في العلاقات الدولية
- النظام الدولي
يُستمد مفهوم “النظام الدولي” في المدرسة الإنجليزية من أفكار مكيافيلي وهوبز، حيث يُصوّر هذا النظام، كما يعبّر هدلي بول، باعتباره مجالًا تهيمن عليه “أفعال أفراد قساة، واقعيين، وغير أخلاقيين”. ووفقًا لتعريف بول، فإن النظام الدولي يتشكل عندما “تكون هناك دولتان أو أكثر تتفاعلان بقدر كافٍ، بحيث تؤثر كل منهما على سلوك الأخرى، ويُصبح سلوك كل واحدة جزءًا من كل يؤثر على الأخرى”.
من هذا التعريف، يمكن استخلاص ثلاثة شروط أساسية لقيام النظام الدولي:
(أ) ضرورة وجود دولتين أو أكثر، أي أن النظام لا يقوم إلا بوجود وحدات سياسية مستقلة تملك عناصر الدولة: السكان، الأرض، الحكومة، والسيادة؛
(ب) وجود تفاعل واتصال فعّال بين هذه الدول؛
(ج) أن يكون هذا التفاعل ذا طابع مؤثر يدفع نحو سلوك معيّن أو تعديل سلوك الطرف الآخر.
يدعم باري بوزان هذا التفسير، ويضيف أن تشكل النظام الدولي يتطلب:
وجود وحدات سياسية (دول)؛
تفاعل جاد ومستمر بينها؛
تنظيم هذا التفاعل وفق مبادئ مؤسساتية منظَّمة.
- المجتمع الدولي
يمتد جذور مفهوم “المجتمع الدولي” في المدرسة الإنجليزية إلى أفكار هوغو غروسيوس، الذي سعى إلى تقديم رؤية وسطية بين الواقعية المكيافيلية التي تؤسس للسيادة المطلقة للدول، والرؤية الكونية البابوية التي تنادي بوحدة إمبراطورية عالمية. وقد أرسى غروسيوس مفهومًا يعتبر أن الدول، على الرغم من سيادتها، تشكّل مجتمعًا من خلال التزامها بقواعد قانونية وأخلاقية تنظّم علاقاتها المتبادلة.
يرى هدلي بول أن المجتمع الدولي يتشكّل حين “تدرك الدول – بوصفها وحدات مستقلة – أنها ليست في حالة طبيعية تمامًا، بل ترتبط فيما بينها عبر قواعد تشكّل أساسًا لمجتمع دولي فوضوي، ولكنه يتمتع بحد أدنى من التنظيم”.
وقد أشار مارتن وايت إلى عاملين حاسمين في تشكّل هذا المجتمع:
(أ) التجارة؛
(ب) اللغة والثقافة المشتركة.
ويرى وايت أن درجة من الوحدة الثقافية تعزز من وضوح الحدود بين “داخل المجتمع” و”خارجه”، بحيث يُنظر إلى من هم خارجه باعتبارهم “برابرة”، وتُصبح الحرب المقدسة أداة العلاقة معهم.
ومن أبرز خصائص المجتمع الدولي كما أوردها وايت:
هو مجتمع مركّب من مجتمعات (الدول)، أعضاؤه الأصليون هم الدول، ولكن البشر يُعدّون أعضاؤه النهائيين.
عدد أعضائه محدود مقارنة بالمجتمعات الوطنية.
أعضاؤه متباينون بشدة في الجغرافيا والثقافة والموارد.
الدول كأعضاء فيه ذات عمر أطول من الأفراد، رغم أنها قد تزول أحيانًا.
وفي تعريف لاحق مشترك بين هدلي بول وآدم واتسون، يُعرَّف المجتمع الدولي بأنه: “مجموعة من الدول، أو الكيانات السياسية المستقلة، التي لا تكتفي بمجرد التفاعل ضمن نظام، بل تُنظم علاقاتها عبر قواعد ومؤسسات تم إنشاؤها بالتوافق والرضا، وتجد مصلحتها في المحافظة عليها”.
ملاحظات تحليلية:
يُشدّد وايت على أهمية الوحدة الثقافية لقيام المجتمع الدولي، بينما يرى بول أنها ليست شرطًا ضروريًا.
النشاط الدولي النموذجي في الفكر الغروسيوسي هو التبادل التجاري والتفاعل الاقتصادي، لا الحرب.
تقيد الدول نفسها في هذا الإطار بقواعد أخلاقية وقانونية، دون أن يعني ذلك السعي لإلغاء النظام الدولي القائم، بل لإدارته من داخل مجتمعه.
- المجتمع العالمي
يمثل تقليد المجتمع العالمي البُعد الأخلاقي في المدرسة الإنجليزية، ويتميز بطابعه المعياري، حيث يهتم بـ”ما ينبغي أن يكون” أكثر من “ما هو كائن”. ويُعدّ هذا الاتجاه امتدادًا للفكر الكانطي الذي يطمح إلى تقريب السياسة الدولية من النموذج الأخلاقي الموجود في السياسة الداخلية.
يرى مارتن وايت أن “الثوريين” في هذا الاتجاه هم أولئك الذين يعتقدون بوحدة أخلاقية شاملة لمجتمع البشر، ويسعون لتقليص الفجوة بين السياسي المحلي والدولي. ويؤكد أندرو لينكليتر أن هذا الطموح يعكس قناعة بإمكانية تخطي حدود الدولة القومية نحو مجتمع إنساني عالمي.
ومن أبرز خصائص المجتمع العالمي في المنظور الكانطي كما وردت لدى بول:
(أ) السياسة الدولية تنطوي على التزامات أخلاقية عابرة للحدود؛
(ب) العلاقة بين الدول تُعبّر في جوهرها عن علاقة بين أفراد الإنسانية جمعاء؛
(ج) مصالح البشر واحدة ومترابطة؛
(د) العلاقات الدولية لعبة تعاونية تقوم على محصلة غير صفرية؛
(هـ) النشاط الأساسي في هذا الإطار هو الصراع الأيديولوجي بين معسكرات تقسم المجتمع البشري.
رغم ميل وايت وبول إلى هذا التيار، إلا أنهما يحذران من الوقوع في “الوهم الثوري”، إذ يرى بول أن المجتمع العالمي لا يزال مثلاً أعلى، وليس واقعًا يمكن الاعتماد عليه كأساس لصياغة سياسة دولية راهنة.
موقف المدرسة الإنجليزية من قضايا العلاقات الدولية
الفوضى والنظام
تتفق المدرسة الإنجليزية مع الواقعيين والواقعيين الجدد في الإقرار بأن النظام الدولي يقوم على الفوضى، وأن الدولة هي الفاعل الرئيس فيه، وتسعى إلى تحقيق البقاء. لكن خلافًا للفهم الواقعي الذي يرى في الفوضى انعدامًا تامًا للنظام (حالة حرب الكل ضد الكل كما عند هوبز)، يرى مارتن وايت أن الفوضى تعني ببساطة غياب حكومة مركزية، لا غياب النظام.
يرى الواقعيون أن الفوضى سمة ثابتة وغير قابلة للتجاوز، مما يخلق تمايزًا قاطعًا بين “النظام الداخلي” (الذي تنظمه الدولة) و”النظام الدولي” (الذي تفتقر فيه الدولة إلى مرجعية عليا). من جهتها، تشارك الليبرالية هذا التمييز، ولكنها، انطلاقًا من نظرة إيجابية للطبيعة البشرية، تؤمن بإمكانية بناء نظام دولي أكثر تنظيمًا عبر التعاون والمؤسسات.
تقع المدرسة الإنجليزية في موقع وسطي بين هذين الاتجاهين، وتؤمن بإمكانية وجود “نظام في ظل الفوضى”، وهي تحلل الفوضى الدولية عبر ثلاث ركائز:
سلوك الفاعلين: الواقعيون يرونه قائمًا على تعظيم القوة، بينما يرى الليبراليون أنه يمكن تعديله بالتعلم والتعاون؛
عوامل ضبط السلوك: تختلف من الردع الواقعي إلى القواعد والمؤسسات في المقاربة الليبرالية؛
منطق الفوضى: لا يعني غيابًا مطلقًا للنظام، بل فراغًا سلطويًا يمكن ملؤه عبر قواعد ومعايير تتوافق عليها الدول.
