خاص سودان تمورو
في لحظة حرجة من عمر الدولة السودانية تتوالى الاجتماعات والتصريحات السياسية كما لو أنها محاولات حثيثة لترميم سفينة تتقاذفها العواصف من كل الجهات. التصريحات الأخيرة التي خرج بها الاجتماع السياسي الرسمي، والتي أكدت على الالتزام باتفاق جوبا، والدعم المطلق للقوات المسلحة والقوى الوطنية، تشير إلى إدراك متأخر لحجم التهديدات التي تواجه السودان. غير أن هذا الإدراك، على أهميته، لا يكفي إذا لم يتحول إلى خطوات تنفيذية واضحة، تتجاوز الشعارات إلى بناء واقع جديد يعيد للدولة هيبتها وللوطن وحدته وللسودانيين ثقتهم.
الإشارة إلى الالتزام بالعهود والمواثيق، وفي مقدمتها اتفاق جوبا، تحمل في طيّاتها أكثر من رسالة، لكنها لا تُعفي الأطراف الموقعة من مسؤولية التباطؤ أو الانتقائية في التنفيذ. لقد أُهدر الكثير من الزمن في مساومات أضعفت الاتفاقات بدل أن تعززها. وما لم تتحول هذه الاتفاقات إلى برامج عمل حقيقية، مصحوبة برقابة مستقلة ومتابعة شعبية، فستظل حبراً على ورق تُستخدم عند الحاجة السياسية فقط. كما أن الوفاء بالعهود لا يكون بالخطاب، بل بالميزانيات المخصصة، والخطط العملية، والعدالة في التنمية والتمثيل.
أما الدعم المعلن للقوات المسلحة والقوى النظامية، فهو تأكيد مستحق لمعركة الكرامة التي تخوضها البلاد، لكنه لا يجب أن يتحول إلى تفويض مفتوح يطيح بمبدأ مدنية الدولة. القوات المسلحة يجب أن تكون درع الوطن لا أداة منازعة داخلية. المطلوب دعم مشروط ومؤسسي، يضمن وحدة القيادة الأمنية وخضوعها لمرجعية مدنية دستورية، بما يعزز مكانتها كمؤسسة قومية فوق الصراعات، لا طرفاً فيها.
التقارب الذي بدأ بين رئيس الوزراء الانتقالي وأطراف من الجبهة الداخلية هو خطوة أولى في الطريق الصحيح، لكنه لن يكون ذا جدوى ما لم يتحول إلى عملية سياسية موسعة وشاملة، تعترف بتعدد القوى السياسية والمجتمعية، وتستوعبها ضمن إطار وطني مرن وغير إقصائي. الإيجابية الحقيقية في هذا الحوار لا تُقاس بنبرة التفاؤل في التصريحات، بل بمدى واقعيته، وقدرته على إنتاج حلول بعيدة عن منطق الغلبة.
الإشكال الأصعب يظل في إدارة العلاقة مع الحركات المسلحة في دارفور، التي وإن كانت جزءاً من اتفاق السلام، إلا أن استمرار بعض قياداتها في نهج المكاسب الشخصية واحتكار التمثيل السياسي يجعل هذه الشراكة محفوفة بالمخاطر. نعم، هناك ضرورة وطنية لعدم شق الصف أو خلق جبهات جديدة، لكن لا يجوز أن تتحول هذه الضرورة إلى مظلة لتأبيد المصالح الضيقة أو شرعنة الازدواج في السلطة. المطلوب هو الحفاظ على الشراكة في إطار إصلاحي صارم، يُفرّق بين من يملك مشروعية سياسية حقيقية، وبين من استثمر السلاح ليحصد مكاسب لا تستند إلى قاعدة شعبية.
السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الأزمة بأدوات جديدة، بل إلى هندسة سياسية جريئة تُعيد تعريف الشراكات على أساس المصلحة الوطنية لا الترضيات الفئوية. نحن في لحظة لا تحتمل الأخطاء، لأن ثمنها هذه المرة هو مستقبل الدولة برمّتها. لذلك، فإن أي خريطة طريق لا تنطلق من وحدة المرجعية، وبناء تحالف وطني جامع، وإعادة هيكلة القطاع الأمني، وإطلاق مسار حوار لا يُقصي أحداً من القوى المدنية السلمية، ستكون وصفة جديدة للفشل.
لقد تعب السودانيون من الشعارات، ومن الوعود التي تُقال في قاعات الاجتماعات ثم تتبخر في زحام الصفقات. ما يحتاجه السودان اليوم ليس المزيد من المؤتمرات، بل قرارات تاريخية تعيد الاعتبار لمشروع الدولة، وتُوقف هذا النزيف المفتوح في جسد الوطن. فإما أن نكون شركاء حقيقيين في البناء، أو شهوداً على ضياع وطن لم يقصر أبناؤه في التضحية، لكن خانته النخب حين اختارت المساومة على المبادئ بدل الانتصار للمصلحة الوطنية.
