الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارتحالف "صمود" وياسر عرمان نموذجًا لفشل التحالفات المدنية في السودان

تحالف “صمود” وياسر عرمان نموذجًا لفشل التحالفات المدنية في السودان

سودان تمورو:

في بلد يُصارع من أجل البقاء وسط حرب طاحنة وانهيار مؤسسات الدولة، تبدو الأزمة داخل تحالف “صمود” امتدادًا مألوفًا لمأزق القوى المدنية في السودان. فبدل أن تتبلور هذه التحالفات حول مشروع وطني متماسك، نراها تتآكل من الداخل كلما اقتربت من لحظة الحقيقة. إعلان التيار الثوري الديمقراطي بقيادة ياسر عرمان تعليق مشاركته في الأجهزة التنفيذية للتحالف لم يكن مفاجئًا، بل كان حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانشقاقات التي تطبع المشهد المدني.

البيان الذي أصدره التيار، وتضمّن اتهامات مباشرة لحمدوك وقيادة التحالف بتضييق دائرة القرار، يعكس أزمة بنيوية أكثر مما يعكس خلافًا تنظيميًا عابرًا. ذلك أن الانسحاب من التحالف لم يأتِ كمحصلة لحوار داخلي عميق أو تقييم موضوعي للمرحلة، بل كفعل ارتجالي يعيد إنتاج نفس النمط من الانقسامات التي عصفت بتحالف “تقدم” من قبل. ما تزال القوى المدنية عاجزة عن تأسيس جبهة تستند إلى هياكل مؤسسية تُغلّب المشروع على الأشخاص، والرؤية على الطموحات الفردية.

يطرح التيار الثوري مطالب تبدو منطقية للوهلة الأولى، كأولوية الكارثة الإنسانية وضرورة إعادة ترتيب الأولويات، غير أن هذه المطالب سرعان ما تُفرغ من مضمونها حين تصبح ذريعة لتبرير الانشقاق. فالدعوة إلى بناء تحالف عضوي لا تنسجم مع سلوك انسحابي عند أول خلاف، ولا يمكن لمن ينسحب أن يدعو في الوقت نفسه إلى الوحدة.

المفارقة أن ياسر عرمان نفسه كان فاعلًا رئيسيًا في كل مراحل التكوين والانقسام. فقد انشق عن جناح الحلو، وتحالف مع عقار وأردول، ثم افترق عنهم، وانضم إلى حكومة حمدوك، ليعود اليوم ويعلّق مشاركته في تحالف “صمود”. هذا التكرار المستمر لنمط الدخول والانسحاب، والانضمام ثم الانقلاب، يثير تساؤلات حقيقية حول طبيعة الدور الذي يلعبه الرجل داخل الحركة المدنية. هل هو صاحب رؤية إستراتيجية؟ أم أنه مجرد فاعل سياسي لا يستطيع العيش خارج منطق التحالفات المتفجرة؟

لا شك أن قيادة “صمود” تتحمل جزءًا من المسؤولية في تكرار الأخطاء، وربما أعادت إنتاج بعض ممارسات “تقدم” دون مراجعة كافية. ولكن الخروج من التحالف ليس بالضرورة تعبيرًا عن الشجاعة السياسية، بل قد يكون أحيانًا تعبيرًا عن ضيق أفق، وعجز عن المراكمة التنظيمية. ومع غياب أي مشروع بديل متماسك يقدمه التيار الثوري، تبدو خطوة تعليق المشاركة أقرب إلى تسجيل موقف منها إلى حل عملي للأزمة.

الخطاب الذي يتحدث عن حماية المدنيين ومعالجة الكارثة الإنسانية يفقد جديته عندما يُستخدم كورقة ضغط سياسية لا تترجم إلى التزام عملي. فالوضع الإنساني الكارثي لا يمكن استغلاله لتمرير حسابات سياسية ضيقة، أو لتبرير الانسحاب من جبهة يفترض أنها مدنية موحّدة. والدعم الدولي الذي تطلبه هذه التيارات لا يأتي من الفراغ، بل من وحدة الموقف، والقدرة على التماسك لا التنافر.

ياسر عرمان ليس ضحية للانقسامات داخل القوى المدنية، بل هو أحد أبرز صنّاعها. حضوره المتكرر في كل أزمة، وانقلابه الدائم على التحالفات التي يشارك فيها، يجعلان منه نموذجًا واضحًا لثقافة الانشقاق التي تعيق تشكّل جبهة مدنية حقيقية في السودان. في وقتٍ تتجه فيه البلاد نحو مزيد من التفتت، يصبح مثل هذا السلوك عبئًا على أي مشروع وطني جامع.

لقد تعب السودان من التحالفات الهشة، والمواقف الانفعالية، والقيادات التي تتقدم الصفوف لتنسحب عند أول مطب. وإذا كان تحالف “صمود” يمر بأزمة، فإن معالجتها تبدأ من الداخل، لا من بيانات الانسحاب. أما الذين يصنعون الفوضى تحت غطاء النضال، فهم يضيفون إلى الكارثة بعدًا أخلاقيًا زائفًا لا يصمد طويلًا أمام اختبارات الواقع.

السودان اليوم لا يحتاج إلى شخصيات تعيد إنتاج الانقسام، بل إلى قيادة تملك القدرة على الصبر، والانضباط، وبناء التحالفات على أساس البرنامج لا الشخص. ويبدو أن ياسر عرمان، رغم تاريخه الطويل، لم يدرك بعد أن المرحلة تجاوزت مثل هذه الأنماط.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات