الأربعاء, مايو 13, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارياسر عرمان.. بين الاتهام والانتهازية السياسية

ياسر عرمان.. بين الاتهام والانتهازية السياسية

سودان تمورو:

في مؤتمر السلام العالمي الخامس بمدينة أوسيكوبانكي الفنلندية، أطلق ياسر عرمان، القيادي في الحركة الشعبية لتحرير السودان، تصريحاً مثيراً يدعو فيه إلى تصنيف الحركة الإسلامية السودانية وحزب المؤتمر الوطني كجماعة إرهابية. وللوهلة الأولى يبدو الخطاب جريئاً ومباشراً، غير أن الرجل الذي جاء على ظهر بندقية وتربى سياسياً في حضن التحالفات المسلحة، ليس في موقع أخلاقي يسمح له بأن ينصب نفسه قاضياً يوزع صكوك الإدانة. فمنذ أن التحق بالحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، ظل عرمان جزءاً من معادلة السلاح، متنقلاً بين تحالفات مع عبد العزيز الحلو ومالك عقار وغيرهما، وكلها تجارب عسكرية حملت معها نصيبها من الدم والخراب. فهل من تحالف مع أصحاب البنادق يملك الحق في التحدث اليوم عن الإرهاب؟

لا أحد ينكر أن الحركة الإسلامية السودانية وتيار المؤتمر الوطني ارتبطا بملفات سوداء، من استضافة أسامة بن لادن إلى تورطها في محاولات اغتيال وأعمال عنف عابرة للحدود. هذا التاريخ المشين لا يسقط بالتقادم ويستحق المحاسبة أمام القضاء السوداني والدولي. لكن التوقيت الذي اختاره عرمان لإحياء هذه الملفات يثير الريبة، إذ لم يطرحها بجدية حين كان جزءاً من السلطة الانتقالية بعد سقوط البشير، وإنما لجأ إليها اليوم بعد أن لفظه الشارع وخسر موقعه السياسي، وكأنما يريد ارتداء ثوب المناضل الديمقراطي لاستمالة الغرب الذي يبحث عن شركاء جدد في معادلة السودان.

المأساة السودانية الراهنة أكبر من أن تختزل في “شماعة الإرهاب”. نصف مليون قتيل ومفقود، وخمسة عشر مليون نازح ولاجئ، ليست أرقاماً نتاج تيار واحد فقط، بل هي حصيلة ثلاثين عاماً من فساد نظام الإنقاذ، ثم فشل النخب التي ادعت الثورة في بناء دولة جديدة، وتصارعها على السلطة والموارد تحت شعارات متناقضة. عرمان وأمثاله ليسوا خارج هذه المأساة، بل هم جزء من نخبة أخفقت في إدارة المرحلة الانتقالية، وأعادت إنتاج الصراع بشكل أكثر دموية.

التصنيف الدولي للحركة الإسلامية كجماعة إرهابية قد يكون خطوة مطلوبة في سياق العدالة والمحاسبة، لكن الكارثة أن يتحول إلى وسيلة لتلميع وجوه أخرى لا تقل مسؤولية عن الخراب. المطلوب اليوم ليس شعارات استرضاء الغرب، بل محاسبة شاملة لكل من تلطخت يداه بدماء السودانيين، أيّاً كان انتماؤه. المطلوب بناء مشروع وطني جامع يضع أسس المواطنة الكاملة، ويؤسس لجيش وطني واحد، ويكسر حلقة الميليشيات والولاءات العابرة للحدود.

السودان اليوم لا يحتاج إلى خطابات انتهازية في قاعات المؤتمرات الأوروبية، بل إلى مصارحة شجاعة مع الذات وتاريخها، وإلى إرادة شعبية حرة ترفض أن تكون رهينة لأجندات النخب أو صفقات الخارج. السودانيون الذين أسقطوا نظام البشير بثورة ديسمبر يعرفون طريقهم جيداً: التحرر من كل استغلالي، أياً كان شعاره، وأياً كان موقعه، وبناء وطن يليق بتضحياتهم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات