خاص سودان تمورو
في لحظة تتنازع فيها النيران والأنين على جسد السودان، تلوح الهدنة كنافذة ضوء في جدار العتمة. لكنها ليست مجرد اتفاق على وقف إطلاق النار، بل معادلة دقيقة بين من يحسب المكاسب بعيون البارود، ومن ينتظر فقط أن يتنفس بلا خوف. في هذا التوقيت، تبدو الهدنة ضرورة وطنية، لكنها أيضاً ساحة صراع خفي بين المستفيدين والمتضررين منها، كلٌ بطريقته وحساباته.
الجيش السوداني يدخل هذه الهدنة مثقلاً بخسارات ميدانية، كان آخرها سقوط الفاشر وما تبعه من تفكك في خطوط دفاعه، بعد أن تمكنت قوات الدعم السريع من تحرير جنودها الذين كانوا يحاصرون الفاشر. هذا التحول منح الدعم السريع زخماً ميدانياً قد يفتح أمامه الطريق نحو مدن محورية مثل الأبيض وبابنوسة وربما الدبة في الولاية الشمالية. غير أن الهدنة المقترحة تأتي لتكبح هذا الزخم المتسارع وتمنح الجيش فرصة لالتقاط أنفاسه وإعادة ترتيب أوراقه. إنها مهلة ضرورية لترميم الصفوف، وتجنيد مقاتلين جدد، وإعادة توزيع القوات على نحو أكثر تماسكاً. في جوهرها، تمنح الهدنة الجيش زمناً ليعيد التوازن في معركة اختلّت كفتها.
لكن الفائدة الكبرى للجيش لا تقف عند حدود الاستراحة العسكرية، بل تمتد إلى الجانب النفسي والتنظيمي. فتوقف القتال سيؤدي حتماً إلى تشتت مقاتلي الدعم السريع، الذين يجتمعون عادة عند رائحة الغنيمة ويتفرقون مع غيابها. ومع توقف المعارك، سيجد الكثير منهم أنفسهم أمام واقع اقتصادي قاسٍ، يدفعهم إلى البحث عن موارد أخرى غير تلك التي اعتادوا انتزاعها من أموال المواطنين والأموال العامة التي تحولت في نظرهم إلى “غنائم حرب”. هذا التشتت قد يكون لصالح الجيش، إذ يصعب على الدعم السريع استعادة تماسكه الميداني بالسرعة ذاتها إذا ما عادت الحرب من جديد.
أما قوات الدعم السريع، فهي أيضاً تجد في الهدنة مكسباً لا يُستهان به، وإن كان بطابع مختلف. فالتوقف المؤقت للمعارك يمنحها فرصة لترسيخ سلطتها في المناطق التي تسيطر عليها، واستكمال مشروعها السياسي الذي أعلن عنه تحالف “تأسيس” عبر تشكيل حكومة وإقامة مؤسسات مدنية. كما أن الهدوء العسكري يتيح لها إعادة تنظيم صفوفها، وتدريب مقاتلين جدد، وتركيب منظومات دفاع جوي حديثة، وهي خطوات لا يمكن تنفيذها تحت ضغط المعارك المستمرة. بعبارة أخرى، تمثل الهدنة بالنسبة لها مرحلة انتقال من منطق الحرب إلى منطق التمكين، حيث يتحول السلاح إلى أداة لبناء كيان سياسي أكثر ثباتاً على الأرض.
وفي خضم هذه الحسابات المتقاطعة بين الجيش والدعم السريع، يبقى المواطن السوداني هو المستفيد الأكبر والأصدق من هذه الهدنة. فهو لا يبحث عن نصر ميداني ولا عن مكاسب سياسية، بل عن حياة طبيعية فقط. فالمسيرات والقصف العشوائي لم تترك له بقعة آمنة، والطرقات أصبحت مصائد للموت، والأسعار نار تلتهم ما تبقى من قدرته على البقاء. توقف الحرب، ولو ليوم واحد، يعني له الأمان المؤقت، وإمكانية السفر والتنقل، وعودة بعض المساعدات، وهدوءاً يسمح له بإعادة ترتيب حياته التي بعثرتها الحرب.
لكن، وسط هذا كله، يبقى السؤال المؤلم معلقاً في فضاء الوطن: هل ستكون هذه الهدنة بداية لإطفاء نيران الحرب، أم مجرد استراحة قصيرة تعيد الأطراف فيها شحن بنادقها واستكمال معركتها القادمة؟ إن الهدنة، رغم ما تحمله من مكاسب تكتيكية لكل طرف، يجب أن تكون بوابة للتفكير في سلام دائم، لا مجرد فرصة لالتقاط الأنفاس قبل جولة جديدة من الدم.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى الهدنة فقط، بل إلى وعي جديد يُنهيه من جذوره. وحين يدرك المتحاربون أن المستفيد الحقيقي من السلم هو الوطن لا البنادق، عندها فقط يمكن للهدنة أن تتحول من هدنة بين نارين إلى بداية عهد جديد… عهد يعيش فيه السوداني حياته لا فاصل بين المعركة والمعركة، بل بين الأمل والعمل.
