خاص سودان تمورو
ليست الأرقام هنا مجرد مؤشرات اقتصادية جافة، بل هي قصاصات من سيرة وطن ينزف يومياً على مذبح الصراع والتفريط. فالجنيه السوداني، الذي كان يوماً رمزاً للسيادة، تحول إلى ورقة تروي بقيمتها المتدنية حكاية الانهيار المتسارع. فمن 560 جنيهاً للدولار مع شرارة الحرب في أبريل 2023، إلى 3750 جنيهاً في يناير 2026، هي رحلة سقوط مروعة فقدت خلالها العملة الوطنية أكثر من 570% من قيمتها. هذا الانهيار ليس حدثاً عابراً، بل هو الترجمة الحسابية القاسية لكارثة شاملة: تضخم يجتاح القوت اليومي، وإنتاج يتوقف، ووظائف تتبخر، وأسر تنزلق تحت خط الفقر بلا أمل في عودة قريبة.
صحيح أن وطأة الحرب تبدو العامل الأكثر مباشرة ودماراً في هذه المعادلة الكارثية. فالنزاع المسلح، بشلالاته من الدمار وانقطاع السلاسل الإمدادية وفرار الاستثمارات، هو النار التي تلتهم القيمة الشرائية للعملة. ولا شك أن أي اقتصاد، حتى القوي منه، سيترنح تحت وطأة حرب ضروس. لكن قراءة الواقع السوداني تقتضي الغوص إلى ما هو أعمق من سطح الأحداث العسكرية. فالجروح بنيت على جروح، والضعف الهيكلي المزمن هو الذي حول الصدمة إلى انهيار شبه كامل.
لقد منح القدر للسودان في مطلع الألفية نعمة النفط، فرصة ذهبية لبناء اقتصاد منتج ومتنوع. لكن إدارة هذه الثروة تحولت إلى نموذج صارخ لـ “لعنة الموارد”. فبدلاً من توظيف عوائد البترول في تطوير القطاعات الإنتاجية الراسخة تاريخياً كالزراعة والثروة الحيوانية، أو حتى استثمارها في بناء قاعدة صناعية تحولية، تم تبديدها في استهلاك آني وهياكل بيروقراطية متضخمة. ولم يُصنع “بديل النفط” عندما كان الوقت مناسباً، فحين انفصل الجنوب وغاب النفط، وجد البلد نفسه عارياً أمام العاصفة.
اليوم تتركز الآمال، أو بالأحرى اليأس المتحول إلى أمل، على معدن آخر: الذهب. لكن المشهد يتكرر بملامح مأساوية جديدة. فالإنتاجية العالية للذهب لا تترجم إلى استقرار للعملة أو رفاه للمواطن، بسبب فجوة الفساد والرؤية القصيرة. تهريب الذهب يزداد بسبب هوامش السعر المجزية، بينما تبقى الخزينة العامة شبه خاوية.
لإنهاء هذه الظاهرة نقترح شراء الدولة للذهب بسعر البورصة العالمية من المنتجين لمعالجة أحد أسباب تسرب الثروة. فبهذه الآلية، يمكن تحجيم الحافز على التهريب وضخ هذه الثروة الطبيعية مباشرة في الاقتصاد الرسمي.
ولكن الشراء وحده لا يكفي. المطلوب هو تحويل هذه الأصول الملموسة إلى داعم للثقة بالعملة الوطنية. هنا يأتي دور السياسة النقدية الجريئة: أن تقوم السلطات النقدية، بعد استحواذها على الإنتاج المحلي من الذهب، بطباعة كتلة نقدية مغطاة بقيمة هذا الذهب، وفق أسس تقنية محكمة. هذا يشكل شكلاً من أشكال الربط غير المباشر لقيمة الجنيه بأصل قوي، على غرار ربط عملات دول الخليج بالدولار، مما يخلق مرساة نقدية توقف التدهور الحر للعملة وتبني أساساً للاستقرار. هذا الربط ليس حلاً سحرياً بمعزل عن سياق، لكنه قد يكون حجر الزاوية في أي خطة إنقاذ، شريطة أن يتم بشفافية تامة وبإدارة نزيهة، وأن يكون جزءاً من حزمة شاملة.
الحقيقة المؤلمة هي أن السودان يعاقب اليوم بقسوة على تراكمات سياسات الماضي: سوء إدارة الثروات، وغياب الرؤية الإستراتيجية، وفساد أنهك مؤسسات الدولة، وأخيراً الحرب التي جاءت لتحرق ما تبقى من البنى. إن وقف الحرب هو الشرط الحتمي والأولي لأي أمل في الانتعاش. لكن السلام وحده لن يعيد الجنيه قوته. فالطريق إلى التعافي طويل وشائك، ويتطلب إصلاحاً مؤسسياً جذرياً، ومحاربة الفساد ليس بشعارات بل بإرادة حديدية، وتبني سياسات اقتصادية واقعية وجريئة تعيد ربط العملة بإنتاج حقيقي وثروات ملموسة. آن الأوان لحصاد الدروس من “لعنة النعمة” وتحويلها إلى “بركة الإدارة”. فالسودان بموارده وشبابه لا يستحق أقل من ذلك.
