الأربعاء, أبريل 22, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيتحت السطح.. حيث تختبئ قوة لا تُقهر!.. بقلم سالم صديق

تحت السطح.. حيث تختبئ قوة لا تُقهر!.. بقلم سالم صديق

سودان تمورو

في حسابات الحرب، لا يقرأ المنتصرون خرائط الدمار، بل يقرأون خرائط الإرادة. ومن يتابع المشهد اليوم في الخليج، وتحديداً بعد الحملة الجوية الأميركية العنيفة التي طالت منشآت تابعة للقوة البحرية الإيرانية، قد يظن للوهلة الأولى أن المعادلة انقلبت، وأن الضربات الموجعة التي استهدفت مباني وقواعد وألحقت أضراراً جسيمة ببعض القطع البحرية، تعني أن اللعبة انتهت. لكن هذا بالضبط هو الخطأ الفادح الذي وقع فيه العدو، وها هو يدفع ثمنه غالياً دون أن يدري.

الخنزير أصفر الرأس -وهذه تسمية تليق بمن يدير المعركة من غرفة عمليات لا ترى أبعد من صور الأقمار الاصطناعية- ظن أن تدمير المباني يعني تدمير البحرية. ظن أن إسكات المنشآت يعني إسكات الرجال. إنه يتصور أن الجنود في البحر يجدفون بالمباني، وأن صواريخ الدفاع تخرج من النوافذ. هذه ليست حماقة تكتيكية فقط، بل هي عمى استخباراتي كامل، يثبت مجدداً أن الولايات المتحدة تدخل حروبها بخرائط قديمة وعقول متحجرة.

ما لا يعرفه صناع القرار في واشنطن، وما ستكشفه الأيام القليلة المقبلة للعالم كله، هو أن ما حدث في المرحلة الأولى من المعركة ليس هزيمة، بل كان خطة محكمة أسماها الخبراء “مرحلة الأرض المحروقة”. استطاعت إيران خلالها أن تحافظ على كنزين استراتيجيين: الأول هو الرجال، الذين لا يعدون على أصابع اليدين، والثاني هو المعدات العملياتية التي لا ترى بالعين المجردة. لأن البحرية لا تقاس بعدد المباني التي تملكها، بل بعدد الوحدات المستقلة التي تعمل تحت السطح، بعيداً عن عيون التجسس وأقمار الرصد.

نحن أمام أكثر من قوة موازية. وحدات لا تحتاج إلى أوامر لحظية، ولا تعتمد على بنية تحتية ظاهرية. إنها قوة الظل التي تتحرك حيث لا تراها الأضواء، وتضرب حيث لا يتوقعها عدو. كل ما تراه أمريكا من دمار هو مجرد قشرة خارجية. العملياتي لم يمس، والصواريخ لم تستخدم إلا بنسبة لا تتجاوز العشرة بالمئة، والمسيّرات لا تزال في مخابئها تنتظر ساعة الصفر.

وها هو مضيق هرمز، شريان الاقتصاد العالمي، قد توقف عن النبض. مرور السفن والناقلات أصبح صفراً كبيراً. لا ناقلة تمر، ولا بارجة تجرؤ على الاقتراب. السفن الأميركية والبريطانية التي تلقى أوامر من البيت الأبيض بتأمين المرور، تجد نفسها في مرمى نيران لا تعرف مصدرها. ناقلاتهم العملاقة تتحول إلى أهداف سهلة، ومدمراتهم المتطورة من فئة “آرلي بيرك”، تلك التي تباهت بها هوليوود في مسلسلاتها كمنقذة للعالم، ها هي اليوم تغرق في مستنقع لا قاع له.

أما المفاجأة الكبرى، فتلك التي يحاول البنتاغون إخفاءها بكل السبل: الرادارات الأميركية في دول الخليج تاهت. المنظومة الدفاعية انهارت. القواعد العسكرية أصبحت مكشوفة وعاجزة، حتى أن دول الجوار باتت شبه عارية من أي حماية. لو شاءت لاقتلعتها جميعاً في أقل من أربع وعشرين ساعة. الأسطول الخامس في البحرين، رمز الوجود الأميركي في المنطقة، تحول إلى ركام. وجنودهم الذين كانوا يختبئون في فنادق ومنازل وهمية، عادوا جثثاً إلى ذويهم، بعد أن تفوقت استخبارات إيران في ملاحقتهم وتصفيتهم واحداً تلو الآخر.

الخوف الذي أصاب الأسطول الأميركي اليوم ليس خوف جبان، بل هو خوف محارب يعرف أنه يواجه عدواً لا يراه. لا بارجة تجرؤ على دخول الخليج، رغم الأوامر المباشرة من البيت الأبيض. نعم، لقد بلغت قوة النيران التي سيطر بها إيران على المضيق حداً يجعل البحر نفسه يبتلع من يعاديه.

والعالم يراقب الآن بصمت. أسواق النفط تترقب بقلق، والسفن التجارية تبحث عن موانئ آمنة لا تجدها. إذا استمر إغلاق المضيق أسبوعين آخرين، فلن يكون هناك اقتصاد عالمي يُذكر. أمريكا التي ظنت أن ضرباتها الجوية ستفتح لها الطريق، اكتشفت أن الطريق قد أُغلق في وجهها هي أولاً. وهي الآن تلهث خلف حلول سحرية لا تملكها، لأن من يتحكم بالممرات المائية اليوم ليس أسطولها الجبار، بل رجال لا يخافون الموت، ولا يرون في دمار المباني إلا حافزاً لمزيد من المقاومة.

نحن أمام معركة استخباراتية بامتياز، وقد تفوقت فيها ايران بجدارة. نقرأ أفكار ترامب ووزير دفاعه قبل أن ينطقا بها، ونعرف حدود جهلهما بجغرافيا المنطقة وسيكولوجية شعوبها. فرقاؤنا يعتقدون أن الحرب تُربح بالطائرات، ونحن نعلم أنها تُربح بالصبر الجميل، وبإرادة رجال ينامون وأعينهم مفتوحة على البحر، يعدّون اللحظات التي تسبق الانقضاض.

ما حدث من دمار على السطح هو مجرد خدش على جسد السفينة. العمق الاستراتيجي لم يمس، والإرادة لم تنكسر، والقوة الحقيقية لا تزال كامنة تحت الأمواج. وعندما يحين وقت ظهورها، ستكون المفاجأة مدوية، وستدرك أمريكا أن من يظن أن تدمير المباني يعني كسر الإرادات، هو أحمق لا يستحق حتى أن يكون خصماً.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات