سودان تمورو
بـ “لا” قاطعة، لا تقبل التأويل الدبلوماسي، صاغت وزيرة الخارجية الألمانية الموقف الأوروبي الحاسم تجاه دعوات التعبئة العسكرية في مياه الخليج، معلنة رفض بلادها الانخراط في حرب مدمرة، ومؤكدة الانحياز التام لخيار المفاوضات. لم تكن برلين تغرد خارج السرب، بل كانت تعكس إجماعاً عالمياً نادراً؛ إذ توالت الردود الصريحة من طوكيو إلى روما، ومن باريس ولندن إلى أثينا، وصولاً إلى بكين، لترفض جميعها وبشكل قاطع طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز. إن هذا الرفض الجماعي المتزامن لتلبية نداء “الحليف الأكبر” لا يمثل مجرد تباين في وجهات النظر التكتيكية، بل يكشف عن حقيقة جيوسياسية أعمق وأخطر تعيد تشكيل معادلات القوة في المنطقة؛ وتتلخص في أن هذه الحرب المحتملة هي “حرب أمريكية” خالصة، ولا توجد عاصمة في العالم اليوم مستعدة لدفع ضريبة الدم والاقتصاد نيابة عن واشنطن.
لطالما اعتمدت الولايات المتحدة، في تاريخ تدخلاتها العسكرية لعقود خلت، على استراتيجية بناء “التحالفات متعددة الجنسيات” لتوزيع الأعباء وإضفاء شرعية دولية على حروبها. إلا أن المشهد اليوم يبدو مغايراً تماماً؛ ففي اللحظة التي قرعت فيها واشنطن طبول الحرب في أهم ممر مائي للطاقة في العالم، وجدت نفسها تلتفت إلى الخلف فلا تجد أحداً من حلفائها التقليديين المقربين مستعداً للنزول إلى ساحة المعركة. هذا الانكفاء الميداني لحلفاء واشنطن يترجم وعياً استراتيجياً عميقاً لديهم بأن الانخراط في هذا الصراع يعني وضع بلدانهم ومصالحهم الحيوية في مرمى النيران المباشرة، وتحمل التبعات الكارثية لمواجهة دولة بحجم وقدرات إيران.
لقد أدركت العواصم الكبرى، ببراغماتية يحكمها منطق البقاء، أن الجغرافيا السياسية والعسكرية لمسرح العمليات تقف بالكامل ضد الطموحات الأمريكية. ففي مضيق هرمز، لا تملك الأساطيل العابرة للمحيطات اليد العليا أمام قوة متجذرة في سواحلها وتتحكم في أدق تفاصيل ممراتها. وعليه، فإن كل الخطابات الاستعراضية والادعاءات الجوفاء التي يطلقها ترامب حول الانتصارات السهلة، لم تعد تجد صدى أو تصديقاً في أروقة صنع القرار العالمي، التي تقرأ خرائط النفوذ بواقعية بعيداً عن أوهام الغطرسة.
ما يجري رسمه الآن على رقعة الشطرنج الإقليمية هو تجلٍ صارخ لـ “عزلة عملياتية وميدانية” تضرب القوة الأمريكية في مقتل. وحتى إن حافظ بعض الحلفاء على شعرة معاوية عبر إطلاق تصريحات الدعم السياسي الفضفاضة، فإن لغة الميدان تؤكد أن واشنطن تقف وحيدة في مواجهة مصيرها. إن لجوء هذه الحكومات إلى التشديد على خيار التفاوض والحلول الدبلوماسية مع طهران، بدلاً من الانجرار خلف المغامرات العسكرية، لم يأتِ من فراغ؛ بل هو نتاج قناعة راسخة وتبلور لجمع استراتيجي مفاده أنه من المستحيل ضمان أمن مضيق هرمز، وبالتالي أمن الاقتصاد العالمي، عبر تهميش أو تجاهل الدور الإيراني المحوري وقوتها الرادعة.
إننا أمام تحول تاريخي تتجه فيه بوصلة النظام العالمي، ببطء ولكن بثبات، نحو تقبل حقائق الميدان. لقد بات العالم اليوم مضطراً للتعايش مع واقع جديد يفرض نفسه بقوة الجغرافيا والإرادة، واقع يؤكد أن الاعتراف بالدور الإقليمي لطهران، والإقرار بالحقوق المشروعة والمصالح السيادية للشعب الإيراني، لم يعد خياراً تكتيكياً، بل بات ممراً إجبارياً وحتمية لا مفر منها لصياغة أي معادلات أمنية وسياسية قادمة في النظام العالمي الجديد.
