الأربعاء, أبريل 15, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبار​جامعة الجزيرة.. اغتيالُ المنارة وإرادةُ البعث من تحت الرماد

​جامعة الجزيرة.. اغتيالُ المنارة وإرادةُ البعث من تحت الرماد

 

 

خاص سودان تمورو

​لا يمكن لمن يتأمل المشهد المأساوي الذي آلت إليه جامعة الجزيرة —كأنموذجٍ لما تعرّضت له المؤسسات العلمية والبحثية في السودان— إلا أن يخرج بنتيجةٍ قطعية: أننا أمام تدميرٍ ممنهج ومدروس، لم يستهدف الجدران بقدر ما استهدف محو الأثر المعرفي وتجريف الهوية العلمية للبلاد. إن اعتداء مليشيا الدعم السريع على هذه المؤسسات العريقة يتجاوز منطق “غنائم الحرب” والنهب العشوائي، ليؤكد وجود نية مبيتة لضرب مرتكزات الدولة السودانية ومستقبل أجيالها، رغم كونها مؤسسات مدنية بامتياز ولا علاقة لها بساحات القتال.
​فاتورة الدمار: 160 مليون دولار من الخراب
​كشفت إدارة جامعة الجزيرة عن حجم دمار مروع طال مجمعاتها في “ود مدني” و”حنتوب” و”فداسي الحليماب”، حيث طالت يد الخراب كل شيء، بدءاً من المعامل البحثية وصولاً إلى الأبواب والنوافذ. وفي تصريحات لشبكة الطابية الإخبارية، قدّر وكيل الجامعة، الدكتور ياسر الهاشمي، الخسائر الأولية بنحو 160 مليون دولار.
​لم تكتفِ المليشيا بنهب 173 سيارة وتدمير القاعات والمكاتب الإدارية، بل وصلت الصلافة الإجرامية إلى “سرقة الجثث” من المشرحة الخاصة بكلية الطب، في مشهدٍ يجسد انعداماً تاماً للوازع الأخلاقي والديني.
​معركة “استعادة الهوية” والتحول الرقمي
​أمام هذا الاستهداف، لم تقف إدارة الجامعة مكتوفة الأيدي؛ حيث انتقلت إلى مدينة كسلا، وبدأت في معركة تقنية لاستعادة “السيرفرات” وقواعد البيانات الأكاديمية والمالية. هذا التحرك الاستراتيجي مكن الجامعة من استئناف صرف الرواتب واستخراج الشهادات للخريجين، والأهم من ذلك، إطلاق منصات التعليم “عن بُعد” (Online)، مما سمح بتخريج دفعات جديدة حتى في سلك الدراسات العليا، في تحدٍّ صارخ لواقع الحرب.
​العودة المظفرة: 80% من التعافي
​عقب تحرير “ود مدني” بأسبوع واحد، كانت إدارة الجامعة أول العائدين، حيث تم تشكيل فرق طوارئ لإزالة مخلفات الحرب —التي شملت العثور على شاحنة “دفار” محملة بالذخيرة داخل مجمع حنتوب—. وبجهود ذاتية، تمت معالجة أزمات المياه والكهرباء عبر حلول الطاقة الشمسية لتشغيل الآبار.
​وفي الثامن من أبريل، فتحت الجامعة أبوابها مجدداً، ليستأنف الطلاب حضورهم الفعلي في يونيو 2025. وبحسب الدكتور الهاشمي، فإن الجامعة استعادت عافيتها بنسبة تجاوزت 80%، مع خطة محكمة لإنهاء “تكدس الدفعات” بحلول يوليو المقبل، والتوجه نحو تحويل الجامعة إلى مؤسسة منتجة عبر مشاريع استثمارية تدعم استقرارها المالي.
​رسالة إلى التاريخ
​إن ما تعرضت له جامعة الجزيرة، وغيرها من صروح العلم في السودان، هو جريمة كبرى بحق الإنسانية والمعرفة. وهي تبرهن بما لا يدع مجالاً للشك أن مشروع “الدعم السريع” لم يكن يوماً مشروعاً للتغيير أو الإصلاح كما يدّعي قادته، بل هو مشروع عدواني يستهدف البنية التحتية والعقل السوداني، لكن صمود هذه الجامعة وعودتها السريعة يثبتان أن “إرادة البناء” أقوى دائماً من “معاول الهدم”.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات