خاص سودان تمورو
لم يعد خافياً على المراقبين للشأن السوداني أن جدار الثقة داخل قوات الدعم السريع قد بدأ بالانهيار، مع تصاعد حدة الصراعات الإثنية والمناطقية بين مكوناتها. فالمواجهات الصامتة والعلنية التي تشهدها مناطق واسعة في دارفور تشير إلى أن “المليشيا” تعيش أسوأ مراحل احتقانها الداخلي، خاصة مع انفجار الأزمة بين أبناء “المحاميد” من جهة، و”الماهرية” وعموم “الرزيقات” من جهة أخرى؛ وهو صراع يضع وحدة هذا الكيان العسكري على المحك.
وبلغ التوتر ذروته عقب الهجوم العنيف الذي شنته قوات الدعم السريع على منطقة “مستريحة”، المعقل الرمزي والتاريخي للإدارة الأهلية للمحاميد. ذلك الهجوم الذي استهدف اغتيال أو اعتقال الشيخ “موسى هلال” —العدو التقليدي لآل دقلو— و أسفر الهجوم عن حرق المنازل وترويع المدنيين، وكشف عن إصرار “عبد الرحيم دقلو” على كسر شوكة المحاميد مهما كان الثمن.
وقد تمكن الشيخ “موسى هلال” من الخروج سالماً ووصل إلى منطقة “الدبة” حيث يسيطر الجيش ؛ وجاءت تداعيات الهجوم عكسية تماماً على الدعم السريع وهو خلاف ما كان يخطط له ويريد تحقيقه ؛ وبدأ هلال في إعادة تنظيم صفوف مقاتليه وبناء تحالفات استراتيجية مع قوى دارفور والجيش السوداني، بهدف معلن وهو “تحرير دارفور” بالكامل من قبضة الدعم السريع وليس الاقتصار على طرد الدعم السريع من مستريحة فقط.
وزاد من حنق قيادة الدعم السريع فشل المهمة في “مستريحة”، لكن الضربة الأشد إيلاماً كانت من الداخل؛ حيث تعالت أصوات قيادات ميدانية مؤثرة برفض سياسة التصفيات القبلية. وجاء انشقاق القائد الميداني “النور قبة” وانضمامه للجيش السوداني ليشكل صدمة عنيفة، خاصة مع تواتر الأنباء عن نية قادة آخرين —لا سيما من أبناء المحاميد— تسليم أنفسهم للجيش رداً على استهداف مناطقهم وأهلهم.
وفي مشهد درامي جديد، تواجه مدينة “كتم” بولاية شمال دارفور حصاراً خانقاً وتصعيداً أمنياً خطيراً. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الدعم السريع يطبق استراتيجية “التصفية المنهجية” للوجود العسكري والسياسي لأبناء المحاميد هناك.
واشارت الانباء الى صدور أوامر مباشرة من “عبد الرحيم دقلو” بتجريد القيادي “محمد علي” (حمودي ود عليا) من عتاده الحربي، وتوجيه إنذارات لقادة آخرين تحت ذريعة التخاذل عن مواجهة القوات المشتركة والجيش.
هذا الصراع الداخلي صاحبه تبادل للاتهامات الخطيرة؛ حيث اتهمت قيادة المليشيا أبناء المحاميد بالعمالة للجيش وتحديد الأهداف للطيران، بينما اتهم المحاميد أبناء “الماهرية” باستهداف المدينة بالمسيرات، مما عمق الهوة وأشعل الفتنة بين المكونات.
وسط هذا الصراع المحتدم، يعيش مواطنو “كتم” حالة من الرعب في ظل قيود صارمة تمنع الحركة، وحظر ارتداء “الكدمول” أو حمل السلاح، تزامناً مع غارات جوية مكثفة زادت من معاناة العزل.
إن ما يحدث في “كتم” و”مستريحة” ليس مجرد خلافات عابرة، بل هو تعبير عن تصدعات بنيوية عميقة. وإذا ما استمر جدار الثقة في الانهيار بين المكونات القبلية للدعم السريع، فإن التفكك لن يكون مجرد احتمال، بل نهاية حتمية لكيان بدأ يلتهم نفسه من الداخل قبل أن تلتهمه نيران المعارك.
