سودان تمورو
منذ أن تحطمت آمال الاستراتيجية الأميركية في استنساخ “السيناريو الفنزويلي” وتطبيقه على الحالة الإيرانية، بات واضحاً أن معادلة التركيع عبر الخنق الاقتصادي قد وصلت إلى طريق مسدود. لقد راهنت واشنطن على قصف محركات الاقتصاد الإيراني وشلّ مقدراته أملاً في رفع راية الاستسلام في طهران، إلا أن الصمود الإيراني أمام هذا الضغط الهائل وضع الإدارة الأميركية في مأزق استراتيجي معقد. وأمام هذا الفشل الميداني والسياسي، بدأت الولايات المتحدة تتخبط بحثاً عن مخرج يحفظ ماء الوجه، فتارة تلوّح بتهديدات تصعيدية باستهداف البنية التحتية من محطات طاقة وجسور، وتارة أخرى تمد يد الدبلوماسية عبر بوابات التفاوض في إسلام أباد. غير أن هذا التناقض يعكس حقيقة واحدة يدركها العالم اليوم: لقد أخفقت واشنطن في نيل مبتغاها بالحرب كما بالدبلوماسية، وما عادت ألاعيب المناورات التي ينتهجها دونالد ترامب تنطلي إلا على من قرر طواعية أن ينخدع.
في خضم هذا التخبط، يأتي التسريب الذي أوردته وكالة رويترز ليؤكد عمق المأزق الأميركي؛ حيث تعكف وكالات الاستخبارات الأميركية بطلب من كبار مسؤولي الإدارة، على دراسة وتحليل رد الفعل الإيراني المحتمل في حال قرر ترامب، وبشكل أحادي، إعلان الانتصار والانسحاب من هذه الحرب. هذه الخطوة، التي تبدو في ظاهرها إعلاناً للظفر، ليست في جوهرها سوى محاولة لترتيب انسحاب تكتيكي يقلل من حجم الخسائر الاستراتيجية، وفهم مسبق للتداعيات التي قد تترتب على هذا التراجع المفاجئ من قلب الصراع.
ولكن المشهد لن يكتمل دون النظر إلى الضفة الأخرى من المعادلة؛ فبكل تأكيد، ستتلقف طهران هذا الانسحاب لتعلن من جانبها انتصاراً استراتيجياً مدوياً، وهو انتصار سيجد صدى واسعاً ومصداقية لدى المجتمع الدولي. فالعالم سيسلم، على الأقل، بحقيقة ساطعة تتمثل في نجاح إيران في إجهاض كافة أهداف العدوان الأميركي المعلنة؛ فلم يتغير النظام، ولم تُدمَّر البرامج الحيوية سواء الصاروخية أو النووية، ولم تنجح آلة الحرب في تحجيم نفوذ حلفاء طهران الممتد من ساحات اليمن إلى العراق ولبنان. إن أي إعلان أميركي أحادي بـ “النصر” لن يكون في ميزان السياسة الواقعية سوى اعتراف ضمني بالعجز عن كسر الإرادة الإيرانية، وإقرار بانتصار طهران في معركة البقاء وتثبيت المعادلات.
