الأربعاء, أبريل 29, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهل يكفي الالتفاف؟.. سلمى ايوب

هل يكفي الالتفاف؟.. سلمى ايوب

سودان تمورو

في مقاربة الأزمات الدولية المعقدة، غالباً ما يقع صناع القرار في فخ القياس الخاطئ، وهو فخ يبدو أن صانع القرار الإيراني يقترب منه بشدة حين يتعاطى مع واقع الحصار البحري الراهن بآليات التعامل ذاتها مع العقوبات الاقتصادية السابقة. فمن منظور التحليل الاستراتيجي المحايد، يبدو جلياً أنه يتعين على طهران، وبأي شكل من الأشكال، ألا تسمح باستمرار هذا الحصار البحري، سواء تم كسر هذا الطوق عبر اتفاق “نصف مكتمل” أو من خلال مسارات تفاوضية أو تكتيكية أخرى. إن الخطورة الحقيقية تكمن في عامل الزمن؛ فكلما طال أمد هذا الحصار، تحول تدريجياً من مجرد إجراء تكتيكي ضاغط إلى واقع جيوسياسي صلب، وهو واقع يمنح الطرف المقابل، وتحديداً واشنطن، فرصاً استراتيجية وأوراق ضغط مضاعفة، ترفع معها سقف المطالب وتوسع دائرة التنازلات المطلوبة.

بلغة السياسة الواقعية، إذا كانت الإدارة الأمريكية مستعدة اليوم لرفع هذا الحصار مقابل تنازلات محددة ومحصورة، كضمان حرية الملاحة وفتح مضيق هرمز على سبيل المثال، فإن هذه المعادلة لن تصمد طويلاً. فمع مرور الوقت، وحين تبدأ التداعيات الهيكلية للحصار في التغلغل بعمق داخل شرايين الاقتصاد الإيراني وتصبح أكثر إيلاماً ووضوحاً، من المستبعد تماماً أن تكتفي واشنطن بمستوى المطالب الحالي. إن المنطق الاستراتيجي يقول إن واشنطن ستستثمر هذا الخنق لرفع فاتورة فك الحصار، ولن يكون مستغرباً في المستقبل القريب أن تضع الترسانة النووية الإيرانية بأكملها، وربما ملفات إقليمية أخرى، على طاولة المساومة كشرط مسبق لرفع الطوق البحري.

في اللحظة الراهنة، تبدو التحركات التكتيكية لطهران منصبة على محاولة “الالتفاف” على الحصار عبر إيجاد مسارات بديلة لتدفق السلع. ورغم أن هذا التوجه قد يبدو منطقياً في المدى القصير كمسكن لتقليل حدة الصدمة وتخفيف التبعات الضاغطة للحصار البحري، إلا أنه استراتيجياً لا يمثل حلاً مستداماً. فالرهان على المسارات البرية أو القنوات البديلة يحمل في طياته مخاطرة كبرى؛ إذ لا يوجد ما يمنع الولايات المتحدة وحلفاءها، في مراحل التصعيد اللاحقة، من توسيع دائرة الخناق لتشمل تلك المعابر البرية والمنافذ البديلة بضربات أو قيود محكمة.

الخلاصة الاستراتيجية التي يجب أن تُقرأ بوضوح بعيداً عن أدبيات الصمود التقليدية، هي أن “المحاصرة” ليست “عقوبات”. فإذا كانت طهران قد تمرست لعقود في ابتكار آليات شبحية لبيع النفط والالتفاف على العقوبات المالية والتجارية، فإن تطبيق المنهجية ذاتها على الحصار البحري يمثل خطيئة استراتيجية. الحصار ليس مجرد قرارات ورقية في أروقة وزارة الخزانة، بل هو حرب عسكرية واقتصادية وجيوسياسية مكتملة الأركان، تُفرض بقوة البوارج والمدافع وتغيير معالم الجغرافيا، والرهان على ترويضها بآليات الماضي هو رهان على السراب.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات