الأربعاء, أبريل 29, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيخيارات طهران تحت مقصلة الجغرافيا!.. بقلم امانى عبد الرحمن

خيارات طهران تحت مقصلة الجغرافيا!.. بقلم امانى عبد الرحمن

سودان تمورو

كثيراً ما تُستدعى نظريات الواقعية السياسية، ولا سيما الواقعية الهجومية لـ”ميرشيمر” أو الواقعية الكلاسيكية الجديدة، لتفكيك المشهد الإيراني الراهن. غير أن الاكتفاء بترديد مقولات من قبيل “القدرة هي المحدد الأساسي” أو “ميزان القوى مال لغير صالح إيران” أو “واشنطن وتل أبيب تمتلكان زمام المبادرة”، يُبقي التحليل قاصراً ومبتوراً. فالسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم، بعد حرب الأيام الاثني عشر، ثم الحرب الإسرائيلية الأمريكية الثانية في مارس وأبريل، وصولاً إلى الحصار البحري الخانق، هو: ما هو الخيار الإيجابي والواقعي المتبقي أمام طهران؟

نقطة الانطلاق لفهم هذا المشهد تكمن في إدراك أن وضع إيران ما بعد عام 2025 لم يعد قابلاً للمقارنة بما قبله. لقد مثلت حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025 الضربة الأولى لمرتكزات الردع الإيراني، حيث أثبت استهداف المنشآت النووية والعسكرية ومراكز القيادة أن الخصم قد تجاوز مرحلة “حرب الظل” والعمليات التخريبية ليقتحم ميدان المواجهة المباشرة. لكن الحرب الثانية في مارس 2026، وما تلاها من حصار بحري، حملت دلالات أعمق وأخطر؛ فلم يعد الهدف مجرد تدمير منشآت، بل تحويل التفوق العسكري إلى خنق هيكلي يستهدف عصب الاقتصاد والتجارة والطاقة وقدرة طهران على اتخاذ القرار، لينتقل ميزان القوى من مضماره العسكري الصرف إلى ساحة الجيواقتصاد.

تشير التقارير إلى أن مضيق هرمز والممرات البحرية المحيطة بإيران استحالت في أزمة 2026 إلى مركز ثقل للمعركة، حيث فرضت واشنطن حصاراً متقابلاً على السفن المتجهة للموانئ الإيرانية. هذا التحول الاستراتيجي يعكس انتقال الحرب نحو السيطرة على الشرايين الحيوية للاقتصاد السياسي الإيراني، لتصبح الجغرافيا البحرية ذاتها ساحة قتال، وأداة تفاوض، ورافعة ضغط لانتزاع عاملي “السرعة” و”الزمن” من صانع القرار الإيراني، وإجباره على الاختيار بين بدائل أحلاها مرّ. وهنا، لا ينفع طهران التمسك بنموذج الردع القديم القائم على العمق الإقليمي، والقدرة الصاروخية، والغموض النووي؛ فقد أثبتت الأحداث أن الخصم قد استوعب كيفية استنزاف هذا النموذج وتجاوزه. ولم يعد الزمن متغيراً محايداً، بل بات يعمل لصالح من يمتلك القدرة على فرض نظام جديد من رحم وقف إطلاق النار أو الحصار.

أمام هذا المأزق، تبدو إيران بحاجة ماسة إلى استراتيجية بديلة ثلاثية الأبعاد: تبدأ بـ”ردع قابل للبقاء”، ثم “دبلوماسية أمنية مرحلية”، وصولاً إلى “قرار حاسم بشأن وضع حافة الهاوية النووية”. في البعد الأول، تدرك طهران استحالة خلق توازن متماثل مع إسرائيل المدعومة أمريكياً، لذا يتعين عليها بناء ردع غير متماثل يرتكز على قدرة البقاء، وتشتيت الأهداف، وضمان القدرة على توجيه “الضربة الثانية” الفعالة والمؤلمة التي تغير حسابات الخصم. أما في البعد الثاني، فإن العودة البسيطة لـ”الاتفاق النووي” باتت من الماضي؛ فالمطلوب اليوم هو “دبلوماسية إدارة أزمة أمنية” شاملة تدمج وقف الهجمات وإنهاء الحصار في رزمة أمنية متبادلة ومرحلية، وفق مبدأ “خطوة مقابل خطوة”.

أخيراً، يمثل استمرار “الغموض النووي” على حافة الهاوية خياراً بالغ الخطورة في مرحلة ما بعد الحربين والحصار. فما كان يُعد ورقة تفاوضية بالأمس، قد يصبح ذريعة لضربة استباقية غداً. إن بقاء طهران في هذه المنطقة الرمادية يجعلها تتكبد أثمان القوة النووية دون التمتع بمزايا ردعها المستقر. وعليه، فإن الخروج من هذا النفق يتطلب إما تثبيت هذا الغموض عبر “ردع محدود ومعلن ومجمد” مع تعهد بعدم الاستخدام الأول، أو مقايضته في صفقة أمنية كبرى تضمن رفع الحصار وتحييد التهديدات العسكرية؛ فالبقاء في المنتصف لم يعد سوى استنزاف مجاني للقدرات والموارد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات