سودان تمورو
في خضم التكهنات التي تطفو على السطح هذه الأيام حول مآلات التفاوض وشروط طهران، يبرز إلى الواجهة جدل فكري واستراتيجي عميق: هل يمكن في ظل المعطيات الراهنة انتزاع تنازلات حقيقية من الولايات المتحدة؟ لعل بعض المراقبين، استناداً إلى تغير نبرة الخطاب الأمريكي والضربات التي تلقتها واشنطن وحلفاؤها في حرب الأربعين يوماً، يرون أن ثمة نافذة مواربة قد فُتحت. ولكن، وبغض النظر عن مدى دقة هذا التحليل، فإن القارئ الحصيف للتاريخ ولطبيعة التفاعلات الاستراتيجية يدرك تماماً أن هناك حقائق لا يمكن القفز فوقها عند قراءة العقل السياسي الإيراني اليوم.
وإذا ما أردنا تفكيك هذه الرؤية من منظور موضوعي، فإن التجربة الإيرانية في التعامل مع الملف النووي على مدار أكثر من عقدين تمثل درساً بليغاً. ففي المرحلة الفاصلة بين حربين، قدمت طهران أقصى ما يمكن تخيله من تنازلات، بل وتجاوزت ذلك في بعض المحطات لتبديد هواجس الطرف الآخر. إلا أن النتيجة الحتمية لم تكن ترويضاً للخصم أو احتواءً لسياساته، بل كانت عودةً مربكة إلى مربع الصراع الأول. لقد أثبتت هذه الدورة المتكررة من المحادثات أن السخاء التكتيكي على طاولة الحوار لا يغير قيد أنملة من الطبيعة التوسعية والبراغماتية الحادة للسياسة الأمريكية.
ومن يغص في أعماق تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية الممتد لمائتين وخمسين عاماً، ويدرس سيكولوجية صانع القرار في واشنطن ونظرته الاستعلائية للعالم، يكتشف قاعدة ذهبية: الإدارات الأمريكية لا تمنح تنازلات مجانية. إن ما يبدو في ظاهره تنازلاً أمريكياً، هو في حقيقته مقايضة غير متكافئة؛ إذ تقبض واشنطن الثمن نقداً وفوراً، وتدفع التزاماتها وعوداً مؤجلة. إنهم يذهبون إلى طاولات التفاوض مدججين بأهداف تعظيم المكاسب، لا لعقد صفقات متوازنة. ولعل المقولة التي تتردد في أروقة صنع القرار في طهران بأن “أمريكا الحالية لا يمكن أخذ شيء منها عبر التفاوض”، تعكس قراءة واقعية ومجردة من الأوهام لطبيعة الدبلوماسية الأمريكية.
في هذا السياق، لا تبدو المشكلة في التفاوض بحد ذاته كأداة تكتيكية في علم السياسة. إذ يمكن اللجوء إليه لجس نبض الخصم، أو لقياس مدى نجاعة الضغوط الممارسة عليه، أو حتى لترتيب الأوراق تمهيداً لاستخدام أدوات أخرى، فضلاً عن كونه وسيلة لتبرير استمرار نهج المقاومة أمام الرأي العام الداخلي والخارجي. لكن الخطيئة الاستراتيجية الكبرى تكمن في الخلط بين التكتيك والاستراتيجية؛ أي عندما يُخيّل للبعض أن طاولة الحوار قادرة وحدها على تفريخ تنازلات مستدامة تصون المصالح القومية العليا.
لقد تبلورت اليوم قناعة استراتيجية راسخة بأن أهم خطأ في الحسابات هو الاعتقاد بأن التنازلات تُستل من فم الإدارة الأمريكية بالكلمات. القاعدة السارية في هذا الصراع باتت واضحة: في الحروب المفتوحة، التنازلات تُنتزع عنوة ولا تُوهب. وتتجلى هذه الرؤية في السعي نحو أهداف استراتيجية كبرى، متى ما تحققت، تهاوت بقية المطالب تباعاً. وتتلخص هذه الأهداف في ثلاثة مسارات حيوية: أولها، تفكيك وإنهاء التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة، وتحديداً في الدول العربية، وتكريس مبدأ خلو المحيط الإقليمي من أي قواعد أمريكية. وثانيها، فرض معادلة أمنية جديدة ونظام سيطرة صارم على مضيق هرمز. وثالثها، إلزام الخصوم بدفع تعويضات عن الخسائر التي تكبدتها دول المنطقة جراء هذه السياسات.
وليس أدل على نجاعة خيار “الميدان” من الشواهد العينية التي تتكشف يوماً بعد يوم، مؤكدة تغير موازين القوى. فالدول الأوروبية التي طالما تبنت مواقف بالغة العداء، مثل بريطانيا وألمانيا، بدأت بتعديل لهجتها وتخفيف حدة مقارباتها فيما يخص العقوبات والتنسيق في ملفات الطاقة. هذه الانعطافات لم تكن ثمرة بلاغة دبلوماسية، بل هي ترجمة حرفية لرسائل الميدان الذي أثبت أنه المصنع الحقيقي لإنتاج التنازلات.
إن الحرب التي طالما سعت دول المنطقة لتجنبها قد طرقت الأبواب، ودُفعت أثمانها بالفعل. وفي المقابل، يبدو الخصم اليوم منهكاً ومحاصراً في زاوية ضيقة. وعليه، فإن العقلانية السياسية والتجربة التاريخية ترفضان قطعاً فكرة منح هذا الخصم طوق نجاة عبر بوابة التفاوض، ليتمكن من التقاط أنفاسه وإعادة بناء منظومته للعودة في حرب قادمة. إن المؤشرات تؤكد أن واشنطن تفتقر حالياً للقدرة على الحسم العسكري، وإذا ما وُجهت ضربة قاصمة لأبرز أدوات هيمنتها، المتمثلة في قواتها البحرية، ليتعرى عجزها أمام العالم، فإن حجم المكاسب التي يمكن انتزاعها سيتجاوز كل التوقعات الحالية. وفي المحصلة، من لم يشعل فتيل الحرب، يمتلك اليوم الحق والقدرة على إخمادها وهو في موقع المنتصر، لأن الحقيقة الساطعة تبقى دائماً: في مواجهة غطرسة القوة، الطاولة مجرد سراب، والميدان هو الكلمة الفصل.
