الخميس, أبريل 30, 2026
الرئيسيةأخبار العالمغزة تواجه العطش والمرض

غزة تواجه العطش والمرض

سودان تمورو
تفاقمت أزمة المياه في قطاع غزة الآونة الأخيرة، بعد توقف شركة كانت توفّر المياه النظيفة للنازحين في مناطق واسعة من القطاع بسبب نقص التمويل.

ويوضح أحد المواطنين الغزّاويين أن صهاريج المياه كانت تصل سابقاً بشكلٍ شبه يومي إلى محيط الخيام، ما كان يخفف من عبء البحث عن المياه ونقلها، “لكن منذ أسابيع توقفت هذه الشاحنات، وتضاعفت معاناتنا للحصول على مياه الشرب”.

ويبدأ نواف الأخرس وهو أب لـ 7 أطفال يومه بحمل عبوات المياه والغالونات البلاستيكية برفقة ابنه الأكبر، متجهين إلى نقطة تعبئة تبعد نحو كيلومتر ونصف عن خيمته في منطقة المواصي جنوب قطاع غزة.

رحلة قصيرة في المسافة، لكنها تتحول يومياً إلى معاناة طويلة، إذ يصلان إلى محطة مكتظة بآلاف النازحين الذين ينتظرون دورهم تحت شمس حارقة.

ساعات الانتظار تمتد إلى اكثر من 5 ساعات
نواف، نزح من رفح إلى المواصي قبل نحو عامين، يصف هذه الرحلة اليومية بأنها “عذاب مسمتر، إذ قد تمتد ساعات الانتظار إلى 5 ساعات أو أكثر في محاولة لتأمين الحد الأدنى من المياه لعائلته. يقول: “يمضي يومي كلّه مع ابني في طابور المياه، والناس يأتون من مسافات بعيدة… هذا عذاب يومي فقط لنحصل على ماء نشربه”.

في ظل هذا الاكتظاظ الحاد، بالكاد يتمكن نواف من ملء غالونين صغيرين، نتيجة شدة التنافس بين النازحين على نقاط التعبئة. ويقول: “كأننا نجونا من الموت جوعاً، والآن يختبرون موتنا عطشاً… هذا ما تبقى لنا”. ويوضح أن هذه الكمية المحدودة لا تكفي سوى لتلبية الحد الأدنى من احتياجات الشرب، ما يضطر العائلة إلى تقنين استهلاك الماء إلى أقصى حد.

ويخشى نواف، شأنه شأن آلاف النازحين، من تفاقم الأزمة مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، خاصة في ظل ظروف العيش داخل الخيام. ويضيف: “لا أستطيع وصف معاناة الصيف هنا… نشعر وكأننا نُقلى في مقلاة، لا سقف يحمينا ولا شيء يقي أطفالنا الحر… ومع نقص مياه الشرب، سيكون الوضع كارثياً بالتأكيد”.

تقرير “أطباء بلا حدود”: “تسليح المياه”
تعكس قصة نواف جانباً من الواقع اليومي في قطاع غزة، حيث لم يعد الحصول على الماء مجرد حاجة أساسية، بل معركة يومية من أجل البقاء، في ظل نقص الإمدادات وتزايد أعداد النازحين وتدهور البنية التحتية. هذا الواقع يتقاطع مع ما يكشفه تقرير “أطباء بلا حدود” المعنوّن بـ”تسليح المياه”، الذي يوثق كيف تحوّل الماء إلى أداة ضغط ومعاناة يومية، ضمن سياق أوسع من تقويض مقوّمات الحياة.

وفي شوارع غزة المدمرة، تتكرر مشاهد الطوابير الطويلة أمام صهاريج المياه بوصفها حدثاً يومياً ثابتاً، حيث ينتظر مئات الفلسطينيين لساعات في ظل شحّ حاد، فيما تتكرر حالات التدافع نتيجة محدودية الكميات.

وتشير شهادات ميدانية إلى أن عائلات كثيرة باتت تكتفي بليترات قليلة يوميًا تُخصص للشرب فقط، في حين يجري الاستغناء عن الاستحمام أو غسل الملابس، ما أدى إلى تفشي الأمراض الجلدية، وهي ظواهر يؤكدها تقرير المنظمة باعتبارها من أبرز تداعيات الأزمة.

ويقدّم التقرير صورة قاتمة عن واقع أكثر من 2.1 مليون فلسطيني يواجهون العطش والمرض وانهيار البنية التحتية، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة. وتنبع أهميته من كونه صادراً عن منظمة إنسانية دولية تعمل ميدانيًا داخل غزة، وتعتمد على بيانات تشغيلية وشهادات مباشرة يصعب دحضها.

ويشير التقرير إلى أن أزمة المياه في غزة ليست نتيجة ظرف طارئ، بل نتاج سياسة ممتدة منذ نحو ثلاثين شهرًا، قامت على تدمير منشآت المياه والصرف الصحي، ومنع دخول المعدات ومواد الصيانة والوقود والكلور، ما أدى إلى شلل واسع في قدرة السكان على الوصول إلى المياه النظيفة.

أرقام وشهادات تكشف التعطيش

يوثق التقرير حجم الكارثة بالأرقام، إذ يشير إلى تدمير نحو 90% من مرافق المياه والصرف الصحي، بما يشمل الآبار ومحطات التحلية وشبكات الأنابيب. كما ارتفعت أسعار المياه بنسبة تصل إلى 500%، في وقت فقدت فيه غالبية الأسر مصادر دخلها، ما جعل الحصول على المياه عبئًا يفوق قدرتها.

وفي مشاهد يومية تتكرر، تنفد المياه من نقاط التوزيع فيما لا يزال المدنيون ينتظرون دورهم، بينما تضطر عائلات كثيرة إلى تقليل استهلاكها أو اللجوء إلى مصادر غير آمنة. ولا تقف التداعيات عند نقص المياه، بل تمتد إلى انفجار صحي خطير، مع ارتفاع معدلات الإصابة بالإسهال والأمراض الجلدية والجرب، خصوصًا بين الأطفال.

ويكتسب التقرير دلالة أوسع لكونه يأتي ضمن سلسلة تقارير توثق استخدام الاحتياجات الإنسانية أدوات ضغط، إذ سبق أن حذرت المنظمة من استهداف المنظومة الصحية واستخدام التجويع، ليأتي هذا التقرير مؤكداً أن المياه أيضًا دخلت ضمن أدوات الإهلاك الجماعي.

هذه السلسلة ترسم صورة شديدة الخطورة، مفادها أن الغذاء والدواء والماء، وهي أساسيات البقاء، تحوّلت إلى وسائل ضغط على المدنيين.

عجز خدماتي بلا مساءلة
وبحسب بلدية غزة، فإن نحو 85% من سكان القطاع لا يحصلون على مياه نظيفة، فيما تعمل خدمات المياه بعجز يصل إلى 75%. وتفاقمت الأزمة مع تعطل خط مياه “ميكروت” الإسرائيلي الذي كان يغذي أكثر من 70% من احتياجات السكان، إلى جانب تدمير مصادر المياه ومنع إدخال المعدات اللازمة لإصلاحها.

ويؤكد رئيس اتحاد بلديات غزة يحيى السراج أن أزمة المياه تمثل أولوية قصوى، لكن الكميات المتوفرة لا تلبي سوى 25 إلى 30% من الاحتياجات، مشيرًا إلى 3 مشكلات رئيسية: تناقص مصادر المياه، وتعذر صيانة الشبكات، وأزمة تصريف المياه العادمة.

وتتلقى البلديات مناشدات يومية لتوفير المياه، لكنها تعجز عن تلبيتها، فيما تضطر العائلات، خصوصاً النساء والأطفال، إلى حمل المياه لمسافات طويلة بوسائل بدائية تثقل كاهلهم.

في ضوء القانون الدولي الإنساني، فإن حرمان المدنيين من الموارد الأساسية أو استخدام التعطيش والحصار ضدهم يسلط الضوء على انتهاكات جسيمة. وعليه، لا يمثل تقرير “أطباء بلا حدود” مجرد توصيف إنساني، بل وثيقة اتهام أخلاقية وقانونية.

ويضع التقرير المجتمع الدولي أمام مسؤولية مباشرة، إذ لم تعد الكارثة في غزة خافية، بل موثقة بالأرقام والشهادات. ويبقى السؤال المفتوح: إلى متى سيظل العالم يكتفي برصد المأساة، بينما يُترك المدنيون لمواجهة العطش والجوع والمرض؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات