الخميس, مايو 28, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف تدير إيران معركتها الكبرى؟.. بقلم لطفي الشناوي

كيف تدير إيران معركتها الكبرى؟.. بقلم لطفي الشناوي

سودان تمورو

في قراءة المشهد الإقليمي المعقد، وعبر تفكيك آليات صنع القرار في طهران، لا مناص من وضع خط فاصل وحاسم بين مستويين من السياسة الإيرانية: المستوى الاستراتيجي الكلي، والمستوى التكتيكي المرحلي. فمن دون هذا التمييز، تسقط التحليلات في فخ التناقض الظاهري بين تصعيد ميداني هنا، ومرونة تفاوضية هناك. وقد جاءت الرسالة الأخيرة للمرشد الإيراني بمناسبة موسم الحج، لتضع النقاط على الحروف، وتعيد التأكيد على الثوابت الاستراتيجية والبرنامج العملياتي للجمهورية الإسلامية؛ وهو برنامج يبدو أنه قد وُضع في قوالب صلبة لا تقبل التذويب، بغض النظر عن مآلات أي مفاوضات أو اتفاقيات عابرة.

ترتكز هذه الاستراتيجية الإيرانية غير القابلة للتفاوض على ركيزتين أساسيتين: الأولى تتمثل في طرد الولايات المتحدة من المنطقة وتفكيك الوجود الإسرائيلي، والثانية تتركز حول إحكام السيطرة على مضيق هرمز، وهو ما أُشير إليه مراراً في خطابات القيادة العليا. وإذا ما أمعنّا النظر في الركيزة الأولى، سنجد أن طهران قد حزمت أمرها لإنهاء التمركز العسكري الأمريكي في محيطها. وقد تجلى ذلك في مرحلة أولى استهدفت شل فاعلية القواعد الأمريكية، وهو ما تحقق نسبياً عبر دفع القوات الأمريكية لتقليص وجودها. وتتجه البوصلة الآن نحو تثبيت هذا الواقع وصولاً إلى الإخلاء التام، في مسار متدرج ولكنه حتمي، تنظر فيه طهران إلى شعوب المنطقة على أنها لم تعد مجرد دروع بشرية لحماية القواعد الأجنبية.

أما على الجانب الآخر من هذه الركيزة، فتقرأ طهران المؤشرات الميدانية والسياسية داخل إسرائيل بوصفها علامات على انهيار وشيك. فحالة عدم الاستقرار المزمنة في البنى الاقتصادية والسياسية، وتآكل الثقة في المستقبل، وتصاعد وتيرة الهجرة العكسية، فضلاً عن التشظي الداخلي والضربات التي يتلقاها العمق الأمني والعسكري؛ كلها في العقل الاستراتيجي الإيراني إرهاصات لسقوط محتوم. وتدرك طهران جيداً أن هذين المسارين يكملان بعضهما البعض، فبقاء واشنطن في المنطقة مرهون عضوياً بحماية إسرائيل، وتفكك الأخيرة سيعني بالضرورة تسريع وتيرة الخروج الأمريكي.

هنا يبرز التساؤل المنطقي: إذا كانت هذه الاستراتيجية بهذه الدرجة من الصرامة والوضوح، فكيف نُفسر حالات المد والجزر في التكتيكات؟ ولماذا تقبل طهران بهدن مؤقتة أو تنخرط في مسارات تفاوضية بأساليب تبدو أحياناً براغماتية؟ الإجابة تكمن في طبيعة التباين بين المبدأ الاستراتيجي والمناورة التكتيكية. في قمة الهرم الحاكم، حيث القيادة العليا والقيادات العسكرية، يتم التفكير والعمل بصرامة وفق الاستراتيجية المرسومة سلفاً. ولكن في طبقات أخرى من السلطة، لا سيما داخل أروقة الحكومة وبعض التيارات السياسية، تبرز رؤى مغايرة؛ إما لقصور في قراءة المشهد الكلي، أو لغياب الإرادة السياسية اللازمة لتحمل تبعات المواجهة.

هذا التيار، الذي يمتد بجذوره لأكثر من أربعة عقود، طالما تبنى خطاب “العجز” أو “قلة الإمكانات”، ومن الطبيعي أن تلقي هذه العقلية بظلالها على إدارة الدولة في أوقات الأزمات، وأن تؤثر في جودة المفاوضات بل وفي تفاصيلها الدقيقة. وعلى الرغم من أن المبادئ الاستراتيجية المتعلقة ببقاء النظام والدولة تظل محصنة، إلا أن هذا التباين الداخلي يرفع من فاتورة المواجهة ويزيد المشهد تعقيداً، وهو ما يذكرنا بمسار الملف النووي، حيث تمكنت إيران في النهاية من إكمال دورة التكنولوجيا النووية رغم كل المعوقات التي فرضتها تلك التيارات داخلياً.

الخلاصة إذن أن القاعدة الحاكمة واضحة: الاستراتيجية الكبرى ماضية بقوة وبلا هوادة، بينما يتم تفصيل التكتيكات وفقاً لمقتضيات اللحظة. ومن بين هذه المقتضيات، استيعاب تيار داخل السلطة يفضل منطق “البناء الداخلي” على منطق “الضربات الموجعة” في هذه المرحلة الدقيقة. ورغم أن هذا التيار المتردد لا يملك القدرة على تغيير المسار الاستراتيجي الذي يحظى بتوجيه القيادة العليا واستعداد العسكر ودعم الشارع، إلا أنه بطبيعة الحال، يجعل الطريق نحو الأهداف الكبرى أكثر كلفة وأشد وعورة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات