الخميس, مايو 28, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمناوشات طهران وواشنطن!.. بقلم سعد الدين عطية الله

مناوشات طهران وواشنطن!.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

في مفارقة لافتة تستدعي التوقف، شهدت الليالي القليلة الماضية محاولات أمريكية حثيثة ومتكررة لتمرير ناقلة نفط أو اثنتين عبر مضيق هرمز بقوة السلاح وتحت غطاء عسكري مباشر. وأمام هذا المشهد المتوتر، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على طاولة التحليل السياسي: في ظل المفاوضات الجارية حالياً، والحديث عن احتمالية التوصل إلى مذكرة تفاهم تعيد حركة الملاحة مؤقتاً إلى ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهات من حيث الكم، لماذا تصر الإدارة الأمريكية على استباق الزمن وافتعال احتكاك عسكري، ولو من أجل عبور سفن معدودة، بدلاً من التحلي بالصبر لأيام قليلة؟

لتفكيك هذا المشهد، تبرز أمامنا عدة فرضيات. الأولى، أن صانع القرار الأمريكي يستبعد من الأساس إمكانية التوصل إلى اتفاق حقيقي مع طهران، ومن ثم فهو يرفض إهدار الوقت ويريد فرض واقع ميداني. أما الفرضية الثانية، فتكمن في محاولة واشنطن توظيف هذه التمريرات العسكرية المحدودة كأوراق ضغط تكتيكية، تهدف إلى تعزيز موقفها في غرف المفاوضات المغلقة ودفع المفاوض الإيراني نحو زاوية أضعف. غير أن الفرضية الثالثة، وهي الأعمق والأكثر ارتباطاً بالرؤية الاستراتيجية، تتعلق بعقيدة واشنطن ذاتها؛ فالولايات المتحدة لا يمكنها، بأي حال من الأحوال، التسليم بمبدأ السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، حتى وإن تم توقيع اتفاق رسمي. بالنسبة للأمريكيين، فإن مجرد عبور السفن التجارية بتنسيق مسبق وإذن من طهران يمثل انتكاسة استراتيجية كبرى وضربة في صميم الهيبة الأمريكية العالمية.

وبالقراءة المتأنية لهذه المعطيات، نجد أن الفرضيتين الثانية والثالثة هما الأقرب لواقع الممارسة السياسية الأمريكية. فواشنطن تسعى بوضوح، من خلال هذه العمليات المحدودة والمحسوبة، إلى كسر “دورة السيطرة” الإيرانية على المضيق، وتنظر إلى مناخ المفاوضات الحالي باعتباره الغطاء المثالي والفرصة الذهبية لتحقيق ذلك. إن نجاح أمريكا في تمرير سفينة واحدة فقط تحت فوهات المدافع، يبعث برسالة قاطعة للمنطقة والعالم مفادها أن السيطرة الإيرانية ليست مطلقة، وأنه يمكن اختراقها وتجاوزها متى أرادت واشنطن ذلك.

في العقل الاستراتيجي الأمريكي، قيمة هذه الرسالة تفوق بكثير، وبمراحل، قيمة عبور مائة سفينة بسلام تحت مظلة اتفاق وتصريح إيراني. وفي المحصلة، تتكشف لنا حقيقة النوايا الأمريكية: إن مسار المفاوضات الحالي لا يكتسب أي قيمة عملية أو استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، إلا إذا أدى في نهايته إلى تجريد طهران من ورقتها الأقوى، وسحب سيطرتها الفعلية على شريان هرمز الاستراتيجي.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات