الأحد, يونيو 7, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف تخترق إسرائيل المجمع الصناعي العسكري الأمريكي؟.. بقلم سعد الدين عطية الله

كيف تخترق إسرائيل المجمع الصناعي العسكري الأمريكي؟.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

حين أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مقابلته الشهر الماضي عبر برنامج “60 دقيقة”، عن رغبته في الوصول بالدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل إلى “نقطة الصفر”، لم يكن يطلق مجرد تصريح عابر، بل كان يكشف النقاب عن تحول استراتيجي عميق يعيد تشكيل جذور العلاقة بين الحليفين. ففي السنوات الأخيرة، وتحت وطأة ضغوط داخلية وخارجية، وجدت واشنطن نفسها في موقف يجعل من استمرار تدفق المساعدات العسكرية والاقتصادية المجانية لتل أبيب أمراً بالغ الصعوبة. وبدلاً من ذلك، نشهد اليوم ميلاد نمط جديد من العلاقات، يتجلى بوضوح في “مبادرة التعاون التكنولوجي الدفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل”، المُدرجة ضمن نسخة مجلس النواب لقانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2027، والتي تؤسس لتوسيع التعاون في مجالات البحث والتطوير والاختبار والإنتاج الدفاعي المشترك. نحن إذن أمام انتقال تدريجي ومدروس من مسار المساعدات الأحادية إلى مرحلة الاندماج العسكري والصناعي العميق.

هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل تفرضه لغة الأرقام وتحولات الشارع الأمريكي؛ فوفقاً لاستطلاع رأي أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” في مايو 2026، يعارض 57% من الأمريكيين تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل، مقابل 37% فقط يؤيدون هذه السياسة. هذا التآكل في الدعم الشعبي، والذي تسارع بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي وتحديداً بعد السابع من أكتوبر 2023، امتد تأثيره من الشارع إلى أروقة النخبة السياسية في واشنطن. لقد شهدنا كيف ابتعد الحزب الديمقراطي بخطوات واسعة عن اللوبي الإسرائيلي، حتى باتت أغلبية أعضائه في مجلس الشيوخ تعارض تزويد إسرائيل بالقنابل والأسلحة. وفي المقابل، يتصاعد تيار انعزالي داخل الحزب الجمهوري لا يرى مبرراً لاستمرار هذا الدعم المفتوح. أمام هذا المشهد، أدركت إسرائيل أنها لم تعد قادرة على الركون لضمانات الرؤساء الأمريكيين القادمين، سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين، مما دفعها للبحث عن مسار بديل ومُحصّن لضمان ارتباطها العضوي بواشنطن.

وعلى الصعيد الدولي، تتداخل هذه التحولات مع تغير ملحوظ في أولويات الإدارة الأمريكية. فرغم أن الولايات المتحدة وجدت نفسها مدفوعة من قِبل إسرائيل للانخراط في المواجهة مع إيران، إلا أن الاستراتيجية الأمريكية الأوسع تتجه حتماً نحو ملفات أخرى أكثر تعقيداً، على رأسها التنين الصيني. هذا التوجه يتصادم مباشرة مع أزمة نقص المخزونات التسليحية الأمريكية؛ إذ ستركز واشنطن في السنوات المقبلة على تعزيز ترسانتها الهجومية والدفاعية استعداداً لسيناريوهات محتملة كالصراع مع الصين والدفاع عن تايوان. في ظل هذه الحسابات، تصبح المساعدات المجانية لإسرائيل عبئاً ثقيلاً، وهي نقطة التقطتها تل أبيب بذكاء، محاولةً إعادة تقديم نفسها كشريك استراتيجي منتج، وليس مجرد مستهلك، في مواجهة النفوذ الصيني.

ولتحقيق هذه الشراكة، تلعب المجمعات الصناعية العسكرية دوراً محورياً كأداة ضغط ونفوذ جديدة لإسرائيل. هذه المجمعات، التي يرى بعض المحللين أنها المحرك الفعلي للحروب الأمريكية، تشهد اليوم عملية دمج غير مسبوقة بين مصالح الشركات الإسرائيلية ونظيراتها الأمريكية. وقد انعكس ذلك بوضوح في القفزة الكبيرة لأسهم شركات أمريكية كبرى مثل “رايثيون” و”نورثروپ غرومان” و”لوكهيد مارتن” منذ اندلاع الحرب مع إيران. هذه الشركات تمتلك خطوط إنتاج في إسرائيل، وتتعاون بشكل وثيق مع قطاعات التصنيع الإسرائيلية؛ كاستخدام قسم “لاهاف” في الصناعات الجوية الإسرائيلية لتكنولوجيا “رايثيون” في إنتاج قطع الطائرات والمروحيات.

إن دمج شركات عسكرية إسرائيلية مثل “إلبيط سيستمز” و”رافائيل” في عجلة الإنتاج العسكري الأمريكي يتجاوز بكثير شكل التعاون التقليدي الذي تقيمه واشنطن مع حلفائها، الذين غالباً ما يكتفون بدور المستورد. فدخول إسرائيل كشريك في إنتاج الأسلحة الاستراتيجية وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، يعني في المحصلة خلق حالة من الاعتماد الأمريكي المتبادل، مما سيجرد واشنطن تدريجياً من أوراق الضغط والنفوذ التي كانت تستخدمها لترويض السلوك الإسرائيلي. هذا الاندماج طويل الأمد لا يعكس فقط براغماتية إسرائيلية في الالتفاف على تراجع شعبيتها وتغير أولويات أمريكا، بل يؤسس لواقع إقليمي جديد، يحمل في طياته مخاطر جسيمة حيث تتخلص إسرائيل من عبء التبعية لتصبح جزءاً لا يتجزأ من ماكينة الحرب الأمريكية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات