خاص سودان تمورو
في لحظة سياسية معقدة يعاني فيها السودان من مخاض انتقالي عسير، يطلّ علينا مقترح السيد محمد سيد أحمد الجاكومي، العضو البارز في الحزب الاتحادي الديمقراطي، حاملاً مبرراً اقتصادياً ظاهرياً أنيقاً وخطير المضمون في آن. فهو يدعو إلى حل مجلس السيادة الانتقالي، الذي يتكون من تسعة أعضاء، واصفاً إياه بـ “الترهل الإداري” و”الإرهاق لميزانية الدولة”، ويقترح في المقابل تعيين الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيساً للجمهورية. هذه المعادلة التي تقدم “حلاً” إدارياً ومالياً لمشكلة سياسية جوهرية ليست سوى قناع رقيق يخفي وراءه رغبة في ترسيخ السلطة المطلقة وتغييب الآليات الجماعية، حتى وإن كانت معيبة، لصالح حكم الفرد الواحد.
صحيح أن شبح الترهل والإسراف المالي أزمة حقيقية تطارد العديد من المؤسسات الوليدة في فترات الانتقال، وصحيح أن مراجعة هياكل السلطة وكلفتها واجب وطني. لكن الخطورة تكمن في تحويل هذا المطلب المشروع إلى ذريعة للقفز فوق المؤسسية والتعددية والرقابة، والتي كانت الفلسفة الأساسية وراء تكوين مجلس السيادة بعد سقوط النظام السابق. لقد كان المجلس، نظرياً، تجسيداً لمبدأ المشاركة وتوزيع السلطة ومنع احتكارها، وهي مكاسب شعبية جوهرية جاءت ثمرة لثورة عظيمة. المشكلة الحقيقية لم تكمن في فكرة المجلس ذاته، بل في التحول الخطير الذي شهده، حيث تحول تدريجياً من هيئة للإشراف والرقابة والتوافق إلى سلطة تنفيذية عليا تحتكر القرار، ثم أضحى، خاصة بعد حل الحكومة الانتقالية، أداة طيعة في يد العسكر، يتصرف رئيسه كرئيس دولة مطلق، يعين ويحل ويستوزر من يشاء، منفرداً بالقرار الذي كان يفترض أن يكون جماعياً.
هنا يكمن قلب المغالطة في مقترح الجاكومي. فهو، بدلاً من الدعوة إلى إصلاح المجلس وإعادته إلى مساره الأصلي كضمانة للتعددية وكمؤسسة رقابية، يقرع طبول إلغائه نهائياً. وبدلاً من المطالبة بتسريع وتيرة السلام الشامل والمصالحة الوطنية التي تؤسس لشرعية ديمقراطية حقيقية، يقترح منح لقب “رئيس الجمهورية” لقائد المجلس دون استحقاق انتخابي شعبي. إنه بذلك لا يعالج داء “الترهل” بل يقتل المريض ليقدم جثته هدية للسلطة المطلقة. إنه يريد معالجة الأعراض – أو الادعاء بعلاجها – بينما يغذي جوهر المرض: الاستبداد واحتكار السلطة.
ما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيداً من التركيز في أيدي فرد، مهما كانت التبريرات التقنية. بل يحتاج إلى تعزيز المؤسسية، وإلى بناء الثقة بين مكوناته المتنوعة، وإلى إعادة المجلس – أو أي هيئة حكم جماعي انتقالي – إلى دوره التوافقي الرقابي، بعيداً عن الهيمنة العسكرية الأحادية. يحتاج إلى عملية سياسية جامعة تؤدي إلى حكم مدني ديمقراطي، تكون فيها السلطة منتخبة وخاضعة للمساءلة. الدعوة إلى تقييد سلطة الفرد وإلى الشفافية المالية الحقيقية في كل المؤسسات، بما فيها المؤسسة العسكرية، هي أولى من الدعوة إلى منح شرعية دستورية لسلطة قائمة بالفعل.
مقترح الجاكومي، في تحليله النهائي، هو محاولة لخياطة رداء دستوري جديد لسلطة عارية. إنه يستخدم لغة الإصلاح والإدارة لتمرير مشروع التتويج. وهو بذلك لا يقدم حلاً لأزمة الحكم في السودان، بل يزيدها تعقيداً، ويقترح الانتقال من ترهل مؤسسة إلى استبداد فرد، وهي صفقة خاسرة بكل المقاييس. فالسودان، الذي قدم آلاف الشهداء من أجل الحرية والعدالة والكرامة، أولى بأن تُصان مكاسب ثورته، ولو كانت هشة، من أن تُسلم قيادته إلى منطق الترهل المالي الذي يخفي وراءه إرادة الهيمنة والاستئثار.
