سودان تمورو
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، يبدو أن جغرافيا الصراع آخذة في التبدل، متجاوزة اليابسة لتغوص في أعماق البحار والمحيطات. إن المتابع للحشود العسكرية والتحركات الاستراتيجية الأخيرة يلحظ توجهاً متزايداً نحو نقل ثقل الارتكاز العسكري من القواعد البرية التقليدية إلى الأساطيل البحرية، في خطوة تعيد رسم ملامح أي مواجهة إقليمية أو دولية محتملة، وتطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كانت رحى المعركة القادمة ستدور على أمواج البحر المتلاطمة.
هذا التحول الاستراتيجي لم يأتِ من فراغ؛ فالتطور النوعي في قدرات الأطراف الفاعلة في المنطقة، ولا سيما في مجالات الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية والكروز، جعل من القواعد العسكرية البرية المنتشرة في العديد من الدول أهدافاً مكشوفة وعرضة للاستهداف المباشر. وأمام هذه الهشاشة المتزايدة للوجود البري، تتجه الولايات المتحدة والقوى الحليفة لها نحو استراتيجية “القلاع العائمة”، من خلال حشد حاملات الطائرات والمدمرات في بحر العرب والمحيط الهندي، سعياً لتأمين منصات إطلاق نيرانية متحركة، بعيدة عن تعقيدات الجغرافيا السياسية للدول المضيفة، وقادرة في الوقت ذاته على توجيه ضربات حاسمة في أي تصعيد محتمل.
إلا أن هذا التموضع البحري المكثف يحمل في طياته تناقضاً بنيوياً؛ فبقدر ما توفره الأساطيل من مرونة تكتيكية، فإنها تتحول تلقائياً إلى بنك أهداف استراتيجي في أي صراع مفتوح. إن تركز القوة النيرانية في هذه القطع البحرية يجعل من استهدافها أو تحييدها أولوية قصوى لأي طرف مقابل يسعى لكسر التفوق العسكري. وهنا، تبرز أهمية الجغرافيا السياسية للمضايق والممرات المائية، حيث تكتسب دول ومناطق محددة وزناً استراتيجياً مضاعفاً في هذه المعادلة الجديدة.
وفي هذا السياق، يبرز اليمن كعنصر فاعل ومؤثر في أي مواجهة بحرية مرتقبة. فالموقع الجغرافي الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر وبحر العرب ومضيق باب المندب، يمنح الجناح المتحكم في هذه البقعة الجغرافية قدرة كامنة على إرباك خطوط الإمداد والتأثير المباشر على حرية حركة الأساطيل العسكرية. إن توظيف هذا الموقع، إلى جانب الترسانة المتنامية من الأسلحة المضادة للسفن، يجعل من السواحل اليمنية عقدة استراتيجية لا يمكن تجاوزها في حسابات الردع والاشتباك.
خلاصة القول إن العقيدة العسكرية تشهد انعطافة تاريخية نحو “عسكرة البحار”، حيث تتراجع أهمية الخنادق البرية لصالح السيطرة على الأمواج. وإذا ما اندلعت شرارة الصراع الشامل، فإن المياه الإقليمية والدولية الممتدة من بحر العرب إلى المحيط الهندي لن تكون مجرد ممرات للعبور، بل ستكون هي ساحة الوغى الحقيقية التي سترسم، بالنار والبارود، موازين القوى في النظام الإقليمي الجديد.
