الأربعاء, مايو 13, 2026
الرئيسيةثقافةملفاتالماركسية في العلاقات الدولية

الماركسية في العلاقات الدولية

سودان تمورو:

مقدمة

تمثّل الماركسية النموذج النظري الثالث ذي الطابع الوضعاني في حقل العلاقات الدولية، إلى جانب الواقعية والليبرالية. وقد برزت في الثمانينيات كأحد الاتجاهات الفكرية الأساسية ضمن الجدالات حول النماذج المتعارضة لتفسير الظواهر الدولية. تُعدّ الماركسية، أو ما يُعرف بالبنيوية في بعض الأدبيات، إطارًا نظريًا مركبًا يتضمن عدة توجهات فكرية، من أبرزها: نظرية النظام العالمي، الغرامشية، والنيوماركسية.

ويشير بعض الباحثين، مثل ستيفن هادان وريتشارد وين جونز (2003)، إلى إمكانية إدراج النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت ضمن الطيف الماركسي، إلا أن الاختلافات الإبستمولوجية الجذرية بين الوضعانية التي تنتمي إليها الماركسية الكلاسيكية، والنقدية التي تنتمي إلى ما بعد الوضعانية، تضع النظرية النقدية خارج الإطار الماركسي التقليدي.

المفاهيم الأساسية

تقدّم الماركسية تصورًا مغايرًا لتنظيم الحياة السياسية والاجتماعية، حيث تضفي على التحليل السياسي طابعًا أخلاقيًا وتؤكد على الأسس المادية للسلوك الإنساني. تنظر هذه المدرسة إلى النظام السياسي باعتباره انعكاسًا لبنية اجتماعية اقتصادية أعمق، وتصف الواقع السياسي بأنه مزيّف ومشحون بالتناقضات.

ترتكز الماركسية على مفاهيم محورية، منها: المادية التاريخية، اللامساواة الطبقية، أنماط الإنتاج، والتغيرات التكنولوجية، وتفترض أن فهم العلاقات الدولية لا يمكن أن يتحقق دون النظر إلى هذه العناصر. وتعتبر أن البنية الاقتصادية هي البنية التحتية التي تشكل الأساس لكل البنى الفوقية من سياسة، قانون، ثقافة، وأيديولوجيا. ويُستخدم في هذا الإطار المنهجي التحليل الجدلي التاريخي لتفسير تطور المجتمعات البشرية.

تركز الماركسية بدرجة أقل على الدول كوحدات تحليل مستقلة، وتركز أكثر على الطبقات الاجتماعية العالمية، وعلى تعميم العلاقات الرأسمالية في مختلف أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن الدولة تحتل مكانة مهمة باعتبارها أداة لضبط التناقضات الطبقية ووسيلة لتحقيق هيمنة الطبقة الحاكمة.

وتنظر الماركسية الأرثوذكسية إلى الرأسمالية باعتبارها السبب الجذري للصراعات الدولية، إذ تسعى الدول الرأسمالية لتوسيع أسواقها وتعظيم أرباحها، ما يقود إلى صدامات مع قوى دولية أخرى، سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية. هذه الرؤية تم توسيعها وتطويرها في أعمال لينين، تروتسكي، وستالين.

أما النيوماركسية، وتحديدًا نظرية التبعية، فتسلط الضوء على العلاقة غير المتكافئة بين المركز الرأسمالي المتقدم والأطراف النامية. وتُرجع التخلف في الدول النامية إلى الاستغلال البنيوي الذي تمارسه الدول الصناعية. ويرى أنصار هذا الاتجاه أن الخلاص لا يتم إلا عبر تفكيك النخب المتحالفة مع الرأسمالية العالمية، وتأسيس دولة ثورية ملتزمة بالتنمية المستقلة والتحرر من التبعية.

الافتراضات العامة للمدارس الماركسية

تشترك التيارات الماركسية المختلفة في عدد من الفرضيات الأساسية، أبرزها:

أ. وجوب تحليل العالم الاجتماعي كوحدة مترابطة، حيث تتداخل السياسة والاقتصاد والثقافة في شبكة واحدة من العلاقات البنيوية.

ب. اعتماد المادية التاريخية لفهم التطور المجتمعي عبر خمس مراحل رئيسية:

الشيوعية البدائية

نظام الرق (العبودية)

الإقطاع

الرأسمالية

الاشتراكية

ج. مفهوم نمط الإنتاج، والذي يجمع بين البنية التقنية والاقتصادية وطبيعة العلاقات الاجتماعية.

د. مفهوم علاقات الإنتاج، الذي يركز على العلاقة بين الطبقات، لاسيما بين من يملك وسائل الإنتاج ومن لا يملكها.

وبينما سيتم تخصيص معالجة مستقلة لنظرية النظام العالمي، تركز الفقرات التالية على تقديم تصور موجز لكل من الغرامشية والنيوماركسية.

أ. الغرامشيّة

ترتكز الغرامشية على أفكار المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891–1937)، أحد أبرز المنظرين في الاقتصاد السياسي الدولي، رغم أنه لم يترك مؤلفات مكتملة، بل نقل أفكاره عبر “دفاتر السجن” التي كتبها أثناء اعتقاله في ظل نظام موسوليني الفاشي.

السؤال المحوري لدى غرامشي كان: لماذا لم تتحقق الثورة الاشتراكية في أوروبا الغربية المتقدمة كما تنبأ ماركس، بل قامت في روسيا الأقل تطورًا؟

ويقدّم غرامشي إجابة عبر مفهوم الهيمنة (الهيجمونية)، الذي يشير إلى تفوّق طبقة اجتماعية على أخرى، ليس فقط بالقوة المادية، بل عبر القبول والرضا الأيديولوجي. فالهيمنة تعني سيطرة الطبقة الحاكمة على جهاز الدولة من جهة، وعلى مؤسسات المجتمع المدني من جهة أخرى، مثل الأحزاب، النقابات، الكنائس، وسائل الإعلام، وحتى الأسرة.

يرى غرامشي أن نجاح الرأسمالية الغربية في منع الثورة يعود إلى بناء جهاز أيديولوجي قوي يجعل النظام القائم يبدو وكأنه طبيعي وعقلاني، ما يُنتج ما يسميه “العقل السليم” الذي تتبناه الطبقات الخاضعة. ومع ذلك، يؤكد أن هذا العقل ليس محصنًا، وأن التجربة المادية للطبقة العاملة قد تولد وعيًا بديلًا، يمكن تعزيزه من خلال المثقفين العضويين المرتبطين بهذه الطبقة.

ومن هنا، فإن الصراع الطبقي – وفقًا لغرامشي – ليس صراعًا اقتصاديًا صرفًا، بل هو صراع على السيطرة على الفضاء الأيديولوجي. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدولة بوصفها أداة للقسر، مقابل المجتمع المدني بوصفه مجالًا للهيمنة الأيديولوجية.

ويرى غرامشي أن قوة الرأسمالية في الغرب ليست فقط في أجهزتها القمعية، بل في قدرتها على توليد رضا طبقي، ما يجعل الثورة أكثر صعوبة مقارنة بروسيا، حيث كانت البنية المدنية والأيديولوجية أضعف.

ب. النيوماركسية

تمثل النيوماركسية تطورًا فكريًا في استخدام الماركسية لتحليل العلاقات الدولية، خصوصًا في العالم المعاصر، حيث انتقل التركيز من التحليل الداخلي للدولة إلى فهم العلاقات غير المتكافئة بين الدول ضمن النظام الرأسمالي العالمي. وهي تتقاطع مع عدة مدارس فكرية، أبرزها: نظرية التبعية ونظرية النظام العالمي، اللتان تنظران إلى العلاقات الدولية من منظور بنيوي يتجاوز الدولة القومية كوحدة تحليل.

  1. نظرية التبعية

ظهرت نظرية التبعية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، على يد عدد من المفكرين من أمريكا اللاتينية، مثل راؤول بريبيش وأندريه غوندر فرانك، كردّ على فشل نظريات التحديث في تفسير استمرار التخلف الاقتصادي والسياسي في دول الجنوب. تفترض هذه النظرية أن دول “العالم الثالث” لا تعاني من تخلف بنيوي ذاتي، وإنما هي تابعة لبنية اقتصادية دولية غير عادلة، تُبقيها في موقع التبعية والتخلف لصالح الدول الرأسمالية المتقدمة في “المركز”.

وترى النظرية أن النظام الرأسمالي العالمي يقوم على تقسيم دولي للعمل يُنتج نوعًا من “التخصص السلبي”، إذ تُصدّر دول الأطراف المواد الخام والسلع الأولية، بينما تحتكر دول المركز الصناعات المتقدمة والتكنولوجيا. وبدل أن تقود التجارة إلى التنمية، فإنها تعمّق الفجوة وتُبقي الأطراف في حالة هشاشة وتبعية مستمرة.

وتركّز نظرية التبعية على دور النخب المحلية المتحالفة مع مصالح رأس المال الأجنبي، والتي تُسهّل عملية إعادة إنتاج التبعية. كما تنتقد مؤسسات التمويل الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي، بوصفها أدوات في يد النظام الرأسمالي العالمي، تُفرض من خلالها سياسات “إصلاح هيكلي” تكرّس التبعية بدل معالجتها.

  1. النظرية الماركسية في الاقتصاد السياسي الدولي

تنتمي النيوماركسية أيضًا إلى تيار أوسع يُعرف بـ”الاقتصاد السياسي الدولي الماركسي”، والذي يؤكد أن فهم العلاقات الدولية يتطلب تحليل العلاقات الاقتصادية العالمية من منظور نقدي. يرفض هذا التيار الفصل الصارم بين “الداخل” و”الخارج”، ويُبرز أن ما يسمى بالسيادة الوطنية كثيرًا ما يُفرّغ من مضمونه في ظل الهيمنة البنيوية للنظام الرأسمالي العالمي.

كما تنتقد النيوماركسية الافتراضات الوضعانية لدى الليبرالية والواقعية، وتعتبر أن النظام الدولي لا يقوم على مجرد توازنات قوى أو مصالح اقتصادية محايدة، بل على بنية طبقية عالمية، تُعيد إنتاج الامتيازات ذاتها في كل دورة اقتصادية جديدة.

  1. الدولة في النظرية النيوماركسية

تتفق النيوماركسية مع الغرامشية في اعتبار الدولة أداة للهيمنة الطبقية، ولكنها تركز بدرجة أكبر على أن الدول في الجنوب ليست وحدات سياسية مستقلة تمامًا، بل هي مواقع مهيمن عليها ضمن نظام عالمي تفرضه الرأسمالية الدولية. لذا، فإن السياسات الوطنية – بما في ذلك في مجالات التنمية والاقتصاد – تُصاغ في الغالب بما يتماشى مع منطق التبعية، وليس وفقًا لأولويات داخلية مستقلة.

من هنا، تُعتبر النيوماركسية أن السبيل إلى التحرر يمر عبر فك الارتباط عن النظام الاقتصادي العالمي، وبناء نموذج تنمية مستقل يقوده تحالف اجتماعي وطني مناهض للرأسمالية العالمية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات