الأربعاء, أبريل 22, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالصورة المحجوبة.. حين تخون الكاميرا رواية المنتصر!.. بقلم أميرة غانم

الصورة المحجوبة.. حين تخون الكاميرا رواية المنتصر!.. بقلم أميرة غانم

سودان تمورو

في زمن الحروب، لم تعد المعارك تدار بالصواريخ فقط، بل بالصورة التي تسبق الرصاصة وتفوق في تأثيرها أحياناً وقع القنبلة. ومن يراقب المشهد الإعلامي اليوم، وتحديداً ذلك السؤال الذي أطلقه صحفي أمريكي على منصة “إكس” كقذيفة مدوية: “إذا كانت الحرب تسير على ما يرام، فلماذا لا تستطيع أي وكالة أن تنشر صوراً حية من تل أبيب؟”، يدرك فوراً أن المعركة قد دخلت مرحلة انهيار الرواية، وأن ما يحدث خلف كواليس الصمت الإعلامي أكبر بكثير مما نتصور.

هذا السؤال ليس مجرد استفهام عابر، بل هو اعتراف مبطن بفشل لا يمكن إخفاؤه. لأن من يمتلك زمام النصر لا يحتكر الصورة، بل يبثها في كل الاتجاهات ليرى العالم هيبته وجبروته. لكن ما نشهده اليوم هو العكس تماماً: حظر غير مسبوق، وحجب لكل مشهد يوثق وهج الصواريخ الإيرانية وهي تنهال على القواعد الأمريكية والمواقع الإسرائيلية، وكأن المنطقة برمتها دخلت في ثقب أسود إعلامي لا يسمح بمرور الضوء.

بدأت المعركة كما اعتاد العالم أن يراها: فيديوهات تملأ الفضاء، ومشاهد للانفجارات تتوالى كأفلام هوليوود، وتعليقات الملايين تملأ الشاشات. لكن سرعان ما تحول المشهد إلى صحراء قاحلة. الفيديوهات اختفت وكأنها لم تكن، والحسابات أغلقت تحت ذرائع واهية، ومنصات التواصل تحولت إلى مقابر صمت لا يعكر صفوها إلا تسريبات هنا وهناك. بل إن دولاً في المنطقة بدأت حملات اعتقالات وغرامات مالية باهظة بحق كل من يجرؤ على مشاركة صورة أو مقطع مما يحدث في الليالي الملتهبة. هذا ليس تنظيماً للمشهد، هذا إعدام ممنهج للحقيقة.

والسؤال الذي يتردد في أرجاء العالم اليوم: لماذا هذا الخوف المرضي من الصورة؟ الجواب بسيط ومخيف لمن يدّعون النصر: لأن الصورة تكشف أن الصواريخ لا تخطئ أهدافها، وأن القبة الحديدية ليست حديدية ولا قبة، بل وهم تسوقه هوليوود ويتهاوى تحت وقع الصواريخ الدقيقة. الصورة تكشف أن المستوطنين يركضون في الملاجئ كالفئران بينما تتصاعد النيران في القواعد الأمريكية، وأن صافرات الإنذار لا تتوقف في تل أبيب كما كانت تفعل في حروب سابقة. العالم يريد أن يرى، لكنهم يمنعونه، ليس حفاظاً على أسرار عسكرية، بل حفاظاً على وهم بدأ يتهاوى كبيت من ورق.

ما يحدث في تل أبيب اليوم، وفي حيفا، وفي القواعد الأمريكية بالمنطقة، هو ما لا تستطيع أي قناة إخبارية نقله، لأن نقل المشهد يعني نقل الحقيقة، ونقل الحقيقة يعني فضح الرواية التي استمرت سبعة عقود. أليس من المريع أن تغيب صور تل أبيب عن الشاشات في وقت تفتح فيه كل النوافذ لنقل أي حدث في أي بقعة من العالم؟ أليس مدعاة للريبة أن تختفي الفيديوهات فجأة، وكأن الحرب انتقلت إلى كوكب آخر لا تغطيه الأقمار ولا تصل إليه الكاميرات؟

لقد قال أحد المتابعين عبارة أصبحت تتردد في أرجاء العالم كالزلزال: “أفضل جزء في هذه الحرب يتم سيظهر”. إنها جملة تلخص كل شيء. لأن أفضل ما في الحرب بالنسبة للمقاومة هو أن يرى العالم، وأفضل ما فيها بالنسبة للعدو هو أن يبقى العالم أعمى. لكن العمى اليوم لم يعد خياراً متاحاً. الهواتف في كل مكان، والكاميرات ترى ما لا تراه العيون المجردة، والأقمار الاصطناعية تلتقط ما لا تستطيع الحكومات إخفاءه، والمواطن العادي في تل أبيب بات مراسلاً حربياً رغماً عنه.

لقد حاولوا إخفاء حجم الضربات، فظهرت الفيديوهات من زوايا أخرى. حاولوا تغريم الناشرين، فتحولوا إلى آلاف الناشرين. حاولوا إغلاق الحسابات، ففتحت حسابات جديدة باسم المقاومة. حاولوا قطع الإنترنت، فابتكر الناس وسائلهم الخاصة. إنها معركة لا تنتهي، وصور النصر ستخرج ولو بعد حين، لأن الحقيقة كالنار، لا يمكن إخمادها مهما كدسوا فوقها من رماد.

إن حملة الحجب الوحشية التي نشهدها اليوم، والتي تمتد من واشنطن إلى تل أبيب مروراً بعواصم عربية، ليست دليلاً على قوة، بل هي دليل على أن الجسد ينهشه السرطان، وأن الجيش الذي يدّعي التفوق يحترق من الداخل. كل صورة تُحجب هي شهادة ميلاد لهزيمة جديدة. وكل فيديو يُمسح هو دليل أن الضربات كانت أكثر إيلاماً مما يعترفون به. وأي محاولة لطمس الحقيقة هي مجرد إعلان أن الحقيقة أصبحت أكثر إشراقاً من أن تُطمس.

الخلاصة التي يقرؤها العالم اليوم بكل لغاته: لو كانت الحرب تسير كما يخططون، لرأينا تل أبيب في بث مباشر تعرض قدراتها الدفاعية وتباهي بانتصاراتها على مدار الساعة. لكن ما نراه هو صمت القبور، وإغلاق المنافذ، واعتقال كل من يحاول أن يقول للعالم: إن ما يحدث هناك أكبر مما تتخيلون، وإن النار تأكل الأخضر واليابس، وإن الهزيمة القادمة تكتب سطورها الأولى تحت وقع الصواريخ وصافرات الإنذار التي لا تتوقف.

نحن أمام حرب لا تدار بالطائرات فقط، بل بالصورة التي تكذب أو تصدق. وصورة اليوم تقول بوضوح لا يقبل التأويل: من يخاف الكاميرا يخاف الهزيمة. ومن يصادر الحقيقة يثبت للعالم أن الحقيقة ليست في صفه. ومن يحجب الضوء لا يخفي الظلام، بل يكشف فقط أنه يعيش فيه.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات