السبت, مايو 30, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيلماذا تفشل إستراتيجية "التمهيد النيراني" الأميركية ضد طهران؟.. بقلم نزار أحمد

لماذا تفشل إستراتيجية “التمهيد النيراني” الأميركية ضد طهران؟.. بقلم نزار أحمد

سودان تمورو

للمراقب للمشهد الإقليمي، يبدو واضحاً أن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة في فترات ما يُسمى بـ”الهدنة” أو خفض التصعيد، ليس سوى مسعى تكتيكي لتهيئة الأرضية لعمل عسكري أكثر تأثيراً ضد طهران. لقد أدركت الإدارة الأميركية، بعد تجارب سابقة لم تُكلل بالنجاح، أن أي توغل أو صدام عسكري مباشر مع إيران لن يحظى بفرص أفضل من الماضي ما لم يسبقه انهيار داخلي يضرب بنية الاقتصاد والسياسة والأمن في العمق الإيراني. ومن هنا، عمدت واشنطن إلى تفعيل ما يمكن تسميته عسكرياً بـ”التمهيد النيراني” متعدد الطبقات، في محاولة لخلق تصدع شامل يمهد الطريق لانهيار الجبهة الداخلية قبل إطلاق الرصاصة الأولى.

تتحرك هذه الإستراتيجية الأميركية بشكل متزامن على ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولها المسار الاقتصادي الذي يتجلى في فرض حصار بحري مقنع بغطاء مالي وتجاري، يهدف بالأساس إلى خنق معيشة المواطن الإيراني وإرباك الأسواق، وهو مسار يراهن الأميركيون على نجاحه عبر استغلال بعض الثغرات وحالات القصور الإداري في الداخل لتأجيج حالة الغضب الشعبي. وفي المسار الثاني، تركز واشنطن آلتها السياسية والإعلامية على إحداث شروخ عميقة في جدار المجتمع الإيراني، سواء بافتعال أزمات بين المسؤولين أنفسهم، أو بتوسيع الهوة بين الشعب ومؤسسات الدولة، مع محاولة خبيثة لإعادة إحياء ملفات سياسية قديمة لإشغال الرأي العام عن قضيته الوجودية المتمثلة في الدفاع عن الوطن واستقلاله. أما المسار الثالث والأخطر، فهو المسار الأمني الذي يعتمد على مشروع ممنهج لزعزعة استقرار الحدود الإيرانية، عبر تحريك أذرع جماعات معارضة ومسلحة وتوجيهها لتنفيذ عمليات تخريبية تخلق حالة من الفوضى الداخلية المربكة.

بيد أن هذا التمهيد النيراني، بكل ما يحمله من تخطيط معقد، يصطدم بعقبة جغرافية وتاريخية صلبة؛ فإيران ليست من نوع الدول التي يمكن تركيعها بهذه الأدوات التقليدية. من منظور اقتصادي وتاريخي مجرد، أثبت هذا البلد قدرة استثنائية على الصمود لأكثر من أربعة عقود تحت وطأة أقسى أنظمة العقوبات في التاريخ الحديث، ولم تنهار منظومته حتى في أصعب فترات العقد الماضي عندما تراجعت مبيعات النفط إلى مستويات غير مسبوقة لم تتجاوز مائتي ألف برميل يومياً. إن دولة تمتلك حدوداً متلاصقة مع سبع عشرة دولة، وتتمتع بسواحل ومنافذ بحرية وبرية مترامية الأطراف، هي من الناحية الجيوسياسية دولة غير قابلة للحصار الحقيقي، وما يُطلق عليه اليوم “حصاراً بحرياً” لا يعدو كونه مصطلحاً إعلامياً فقد قدرته على تغيير السلوك الاقتصادي للدولة بشكل حاسم.

وفي السياقين السياسي والأمني، أثبتت التجربة أن الرهان على تفكيك الجبهة الداخلية هو رهان خاسر. فالتماسك الشعبي في اللحظات المفصلية، مصحوباً بيقظة الأجهزة الأمنية والمؤسسات السيادية، شكّل حائط صد منيع أحبط مشاريع بث الفرقة وزعزعة الاستقرار. وفي المحصلة، فإن “التمهيد النيراني” الأميركي الذي كان يُفترض أن يمهد الطريق لانتصار سهل أو تنازلات كبرى، قد تبدد وتكسرت أمواجه على صخرة الواقع الميداني والجيوسياسي الإيراني، ليثبت التاريخ مجدداً أن حسابات الخرائط في واشنطن كثيراً ما تخطئ قراءة تضاريس الصمود في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات