الإثنين, أبريل 20, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيعندما تتحول التحالفات إلى سوق للمقايضة! بقلم أحمد عبد الرحمن

عندما تتحول التحالفات إلى سوق للمقايضة! بقلم أحمد عبد الرحمن

سودان تمورو

ما يجري بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحلفائه الأوروبيين لم يعد مجرد إهانة تقليدية، بل تحول إلى منطق سطو صريح. إنه يعيد أوروبا إلى منطق عصر الفايكنج، لكن بلباس عصري. فهو يتأرجح بين التملق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لحظة، والتمسك بمبدأ مونرو (هيمنة أمريكا على القارة الأمريكية) في لحظة أخرى. اليوم يطمع في غرينلاند، وغداً قد يعلن نفسه وصياً على فنزويلا والقارة الأمريكية بأسرها.

هذه الأرجوحة الترامبية ليست سوى لعبة نفسية مصممة لتحقيق غاية واحدة: “نبض الرواية والسيطرة يجب أن يبقى في يدي وحدي”.

من يستطع انتزاع زمام المبادرة الروائية من يد ترامب، سيجعله يتراجع، ولو مؤقتاً. أما من يظل في موقع الدفاع، فسيواجه يوماً بعد يوم هجوماً روائياً جديداً. المعادلة واضحة: إما أن تستحوذ على زمام المبادرة الهجومية، وإما أن تظل في حالة دفاع دائم. هذه هي الصيغة الجديدة لانهيار النظام العالمي القديم.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على سبيل المثال، يحاول لعب دور “الكابح” لترامب. لكن رسالته ليست دبلوماسية في جوهرها، بل هي مقايضاتية بحتة. فلماذا كل هذا الاستخفاف؟ غرينلاند ليست مجرد جزيرة جليدية لأوروبا، بل هي خط أحمر جيوسياسي. لو استولت أمريكا عليها، لن تكون شريكاً في حلف الناتو بعد اليوم، بل ستكون المالكة الحقيقية للمشهد الأمني الأوروبي، وهذا يعني شطب أوروبا رسمياً من خريطة القوى العالمية المستقلة.

رد ترامب كان دالاً: صورته المفتعلة مع العلم الأمريكي في غرينلاند تقول: “لن أتراجع بالنصائح الدبلوماسية والاجتماعات السرية ومجموعة السبع”. ترامب يرى السياسة الدولية كعمل تجاري بحت: كلما قلّت التكلفة وعلت المنفعة الاستراتيجية، تقدّم، حتى لو احترق حليفه التقليدي تماماً.

ولكن النقطة الأكثر أهمية لنا -كمتابعين من خارج الصراع- هي: أي قضية أخرى تُذكر في هذا النزاع ليست سوى عملة للمقايضة. ماكرون يظن أنه “يتمركز” لإنقاذ غرينلاند. وهذا يعني أن أوروبا، دون تردد، ستساوم بقضايا الآخرين (ربما قضايانا نحن) في صراعها مع أمريكا أو غيرها، كما فعلت مراراً في الماضي.

أوروبا لم تكن يوماً وسيطاً نزيهاً أو طرفاً محايداً، بل هي طرف في المعادلة، تبحث عن مصلحتها أولاً وأخيراً. الدرس المستفاد: في عالم ترامب الجديد، لا مكان للمشاعر أو الالتزامات القديمة أو القيم المعلنة، فقط قانون الغاب بصيغة عصرية: الأقوى يأكل، والضعيف يُؤكل، وأي قضية -مهما كانت مقدسة- هي مجرد ورقة مساومة في السوق الكبرى للتحالفات.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات