سودان تمورو
في النظرة الأولى العابرة للوحة الصراع، قد تبدو الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وكأنها هبة جيوسياسية سقطت من السماء لصالح روسيا، فكلما انحرفت بوصلة التركيز في واشنطن بعيداً عن الساحة الأوكرانية لتعود أدراجها نحو رمال الشرق الأوسط المتحركة، خفّت وطأة الضغط الاستراتيجي على عنق الكرملين. ويترافق هذا الانشغال مع ارتفاع حتمي في أسعار النفط، وهو ما يمثل طوق نجاة بالغ الأهمية لاقتصاد روسي لا يزال يقتات بالأساس على عائدات الطاقة. من هذه الزاوية الضيقة، يبدو من المنطقي جداً أن يقرأ البعض هذه الحرب بوصفها هدية مجانية ومفاجئة وُضعت على طاولة الرئيس فلاديمير بوتين.
بيد أن هذه القراءة لا تلتقط سوى النصف الأول، والأكثر سطحية، من المشهد المعقد. فبمجرد تجاوز قشرة المكاسب التكتيكية والمرحلية، تتكشف أبعاد أخرى تقلب المعادلة رأساً على عقب؛ إذ إن هذه الحرب، وبدلاً من أن تُبرز سطوة النفوذ الروسي، قامت بتعرية حدوده القاسية وانكشافاته الهيكلية. فروسيا، التي استثمرت سنوات طويلة في تسويق نفسها كقوة دولية صانعة للقرارات في الشرق الأوسط ولاعب لا يمكن تجاوزه، تبدو اليوم في حالة من الشلل والعجز التام حتى عن توفير الحد الأدنى من الحماية لأقرب حلفائها. وفي التعاطي مع الملف الإيراني، تآكل الدور الروسي ليتحول من خانة “الفاعل” إلى مقعد “المتفرج”، وباتت موسكو تكتفي بإطلاق التحذيرات الخطابية أكثر من قدرتها على التأثير الفعلي، وتبرع في اتخاذ المواقف الاستعراضية بدلاً من تغيير موازين القوى على الأرض.
ولا يمكن قراءة هذا العجز الروسي كحدث معزول، بل هو امتداد طبيعي لسلسلة من الإختبارات السابقة التي خاضتها موسكو. ففي المشهد السوري، نجح التدخل العسكري الروسي لفترة من الزمن في خلق وهم جيوسياسي يوحي بأن الكرملين قد استعاد تاج الهيمنة في المنطقة، غير أن مسار الأحداث أثبت لاحقاً أن أقصى ما تستطيع الآلة الروسية فعله هو إطالة أمد الحروب، لا هندسة نظام مستقر، ولا ضمان بقاء الحليف في لحظات الانعطاف الحرجة. وقد كشفت حالة الاستنزاف العميق التي ضربت بنية الجيش السوري وانهيار القدرات الدفاعية لنظام الأسد أن خلف تلك الواجهة الدعائية البراقة للدعم الروسي، يقبع أساس هش يتداعى عند أول اختبار حقيقي. ولم يكن المشهد في فنزويلا ببعيد عن هذا النمط؛ حيث تكررت متلازمة الدعم السياسي العالي، والضخ الإعلامي المكثف، واستعراض الشراكة الاستراتيجية، في مقابل عجز تام عن تأمين مصير الحليف في اللحظات المفصلية. وهذا يعني، بعبارة أدق، أن الفجوة الشاسعة بين الادعاءات الجيوسياسية الروسية وبين قدراتها الحقيقية على الأرض لم تعد استثناءً عابراً، بل تحولت إلى قاعدة راسخة.
وفي الحالة الإيرانية، لا يقتصر هذا الضعف الروسي على البعد السياسي والغطاء الدبلوماسي فحسب، بل يمتد ليضرب في صميم البعدين العسكري والتكنولوجي. فعلى امتداد سنوات طوال، تم تصوير منظومات الدفاع الجوي الروسية ومسارات التعاون العسكري مع موسكو كركيزة أساسية في جدار الردع الإيراني. لكن المواجهة المفتوحة أثبتت أن هذا الردع، على الأقل بصورته التي تم الترويج لها، وقف عاجزاً عن رفع كلفة الهجمات الغربية والإسرائيلية بالمستوى الذي كان يُنتظر منه. ولا يقف حجم هذه الانتكاسة عند حدود الخسارة الإيرانية، بل يشكل ضربة قاصمة لسمعة السلاح الروسي، ويُسقط أسطورة “المظلة الدفاعية” التي طالما باعتها موسكو لحلفائها بأغلفة من الدعاية المبالغ فيها. وعندما تتهاوى أوراق الحلفاء ورقة تلو الأخرى تحت وطأة الضغط، وتفشل الترسانة العسكرية في تقديم صورة حاسمة عن الكفاءة والفعالية، يصبح من الصعوبة بمكان، بل من قبيل المكابرة، الاستمرار في الحديث عن موسكو كقوة موازية لواشنطن أو ند مكافئ لها.
وعلى النقيض تماماً من هذا التخبط، تلعب الصين على رقعة شطرنج مختلفة، وبأدوات وقواعد مغايرة. فبكين لم تسمح لنفسها بالتورط في مستنقع الاستنزاف الجيوسياسي الذي غرقت فيه موسكو، كما أنها ترفض من حيث المبدأ تحويل إيران إلى منصة لخوض مواجهة صفرية ومباشرة مع الولايات المتحدة. فالمنطق الناظم للسياسة الصينية لا ينطلق من أية تضامنات أيديولوجية عمياء مع طهران، بل يتأسس على “هندسة التوازنات” الدقيقة لشبكة من العلاقات المعقدة والمتداخلة. ولذلك، سارعت بكين بخطاب واضح للمطالبة بوقف إطلاق النار، والعودة إلى طاولات التفاوض، وتأمين حرية الملاحة في مياه الخليج ومضيق هرمز، وتماهت في الأيام الأخيرة مع الموقف الباكستاني في الدعوة لوقف التصعيد العسكري. هذه المقاربة تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الهدف الأسمى للصين ليس تسجيل انتصار إيراني على حساب أميركا، بل احتواء الحريق واستعادة حالة الاستقرار التي تُعد شريان الحياة لتدفقات التجارة ومصادر الطاقة.
في هذا الإطار البراغماتي الصارم، تظل إيران ورقة مهمة في الحسابات الصينية، ولكن أهميتها لا ترقى بأي حال من الأحوال إلى المستوى الذي قد يدفع بكين للمغامرة والدخول في صدام استراتيجي باهظ الكلفة مع واشنطن. لقد دأبت الدبلوماسية الصينية خلال السنوات الماضية على نسج علاقات موازية؛ فبينما كانت تعزز شراكتها مع طهران، كانت تعمق ارتباطاتها مع الرياض وباقي العواصم الخليجية. هذا السلوك لا يُعبر عن توازن سلبي أو حياد بارد، بل هو تدخل نشط وهندسة فاعلة للتوازنات، تجلت أوضح صورها في الرعاية الصينية التاريخية للتقارب بين طهران والرياض. إن ما تنشده الصين ببساطة هو “استقرار قابل للسيطرة”، وليس انتصار معسكر على آخر. وحتى العلاقة الاستراتيجية الوثيقة التي تربط بكين بإسلام آباد يجب أن تُقرأ عبر هذه العدسة البراغماتية، وليس بوصفها نواة لمحور “معادٍ لأميركا”. فصحيح أن البلدين جددا التأكيد على شراكتهما “الحديدية”، ودعمت بكين الحراك الدبلوماسي الباكستاني في الأزمة الإيرانية، إلا أن هذا الاصطفاف لا يعني تجييشاً صينياً لصالح طهران. فباكستان، في العقل الاستراتيجي الصيني، تمثل عقدة جيوسياسية حيوية لتأمين الممرات البرية، وحماية المجال الحيوي المحيط، وضمان الوصول الآمن إلى مياه المحيط الهندي، وليست إطلاقاً جسراً للعبور نحو حرب مدمرة من شأنها أن تقلب موازين المنطقة وتعطل شرايين الطاقة العالمية.
وحتى من الزاوية الاقتصادية البحتة، تبدو الصورة في غاية الوضوح ولا تقبل التأويل: تمتلك الصين مصالح استراتيجية واقتصادية متفرعة في عموم منطقة الشرق الأوسط تتجاوز بكثير حجم ارتباطها بتحالف حصري مع إيران. وتكفي لغة الأرقام لتأكيد ذلك، حيث أن حجم التبادل التجاري بين الصين والمملكة العربية السعودية خلال عام ٢٠٢٤، على سبيل المثال، فاق بأشواط نظيره مع إيران، فضلاً عن حفاظ بكين على شبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية الاستراتيجية مع كافة القوى الإقليمية المنافسة لطهران. وبناءً على كل ما سبق، فإن العقيدة السياسية الحقيقية التي تحرك الصين في خضم هذه العاصفة ليست مبدأ “دعم إيران في وجه أميركا”، بل هي استراتيجية “الاحتفاظ بهامش مناورة مفتوح” وحرية الحركة والمبادرة وسط حقل ألغام يغص بالفاعلين المتصارعين.
